الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٦٥ - مناظراته و احتجاجه
قد قطع أهل المدينة إزاره، و هو دائب يجيبهم و يسألونه، فدنوت منه و قلت: إن أبا عبد اللّه نهانا عن الكلام. فقال: أو أمرك أن تقول لي؟ فقلت: لا و اللّه و لكنه أمرني أن لا أكلم أحدا. قال: فاذهب و أطعه فيما أمرك. فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فأخبرته بقصة صاحب الطاق، فتبسم أبو عبد اللّه (عليه السلام) و قال: «يا أبا خالد إن صاحب الطاق يكلم الناس فيطير، و أنت إن قصّوك لن تطير» [١].
علمه و نبوغه:
و كان محمّد بن علي بن النعمان كثير العلم، متفوقا في معارفه، قويا في حجته، تعددت فيه نواحي العبقرية و النبوغ- فهو عالم- بالفقه، و الكلام، و الحديث، و الشعر، و كان قويّ العارضة، سريع الجواب واضح الحجّة.
اشتغل بالتجارة و تنقّل بين أكثر المدن الإسلامية، و عرف بتشيّعه و إخلاصه لأهل البيت (عليهم السلام) و لقي من عنت خصومهم و المناوئين لهم ما نغّص عليه عيشه، و لكن لم يحل ذلك بينه و بين الإعلان بمبدئه، و الجهر في دعوته. و كان يتمتع بشخصية فذّة، يعترف له الناس بالفضل و العلم، و النبوغ و التفوّق.
و قد كان عصره يقضي على المفكّرين- من أمثاله- بكبت الشعور و كمّ الأفواه، و تمويه الحقائق، و لكنه لم يخضع لذلك الحكم الجائر، فهو لا يزال يدعو بالحق، و يعلن بفضل عليّ، و يظهر تمسكه بأبنائه.
مناظراته و احتجاجه:
كان مؤمن الطاق يمتاز بقدرة فائقة على الجدل، و قوة في التفكير، و مهارة في الاستنباط. و يكاد المؤرخون يجمعون على تفوقه، في سرعة الجواب و قوة العارضة.
و إذا أردنا استقصاء مناظراته فالأمر يستلزم الإطالة، و لكننا نكتفي بالبعض منها، و هي كثيرة مبعثرة في بطون الكتب.
١- اجتمع قوم من الخوارج و قوم من الشيعة بالكوفة عند أبي نعيم النخعي، فقال أبو حدرة الخارجي: أن أبا بكر أفضل من علي و جميع الصحابة بأربع خصال:
فهو ثان لرسول اللّه دفن في بيته، و هو ثاني اثنين معه في الغار، و هو ثاني اثنين صلى
[١] الكنى و الألقاب ج ٢ ص ٢٩٨.