الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢١٢ - بذخ الدولة العباسية
و يكفي أن نستدل على ذلك بما ارتكبوه في معاملة العلويين و أنصارهم، و من كانوا يخشون معارضته لسيرتهم الملتوية، و أعمالهم الشاذة، عند ما كبّلوا الأمة بقيود جديدة من العبودية، و سلبوا حرية المجتمع، و تلاعبوا بالأموال، و جعلوها وقفا على أنفسهم، و لا ينال منها إلّا المتقرّبون منهم و عامة الناس منها محرومون، و تفننوا بذاك الثراء الطائل في وجوه حياتهم، في الشراب و الطعام، و غير ذلك من وسائل العيش.
فكانت حياتهم مضرب المثل في الرغد و السرف و البذخ.
بذخ الدولة العباسية:
تدفقت الأموال على الدولة العباسية من جميع الأقطار، و امتلأت خزائنها بما يجبيه العمال، بمختلف الطرق و شتى الوسائل، حتى أنّهم كانوا يستولون على أموال الناس و أملاكهم بدون حق، لأنهم لا يحاسبون على ذلك من قبل الخليفة. كما حدّث المسعودي: عن الرجل الهمداني الذي أراد والي همدان أن يغتصب ضيعته، التي تساوي ألف ألف درهما، فامتنع. فكبّله بالحديد، و حمله إلى المنصور، فأودع في السجن أربعة أعوام لا يسأل عنه، و لا ينظر في أمره [١].
كما أن المنصور نفسه كان يأخذ أموال العمال الذين يعزلهم و يجعلها في بيت خاص، و أوصى بتسليمها إليهم بعد موته، و لا نعرف أسباب المنع لها في حياته!! و قد جاء في وصيته لولده المهدي: و قد جمعت لك من الأموال ما أن انكسر عليك الخراج عشر سنين كفاك لأرزاق الجند و النفقات، و الذرية و مصلحة البعوث، فاحتفظ بها، فإنك لا تزال عزيزا ما دام بيت مالك عامرا، و ما أظنك تفعل [٢].
و لا نعلم مقدار هذه الثروة الطائلة، و الوفر الهائل الذي كنزه المنصور من أموال الأمة الإسلامية، و أبناؤها يعانون الحرمان، و يمنعون من حقهم في بيت مال المسلمين.
و لما ولي المهدي [٣] و كان عكس أبيه في إنفاق الأموال و الإسراف، فإن
[١] مروج الذهب ج ٣ ص ١١٥.
[٢] الكامل لابن الأثير ج ٦ ص ٦.
[٣] المهدي هو محمّد بن عبد اللّه بن محمّد بن علي بن عبد اللّه بن العباس، المتوفى سنة ١٦٩ ه و كان سبب موته أنه خرج إلى الصيد فتبع وحشا، فدخل الوحش خربة و تبعته الكلاب و تبعها المهدي، فدق ظهره في باب الخربة لشدة عدوه فمات لساعته، و قيل أنه أكل طعاما مسموما، و كانت مدة خلافته عشرة سنين و أشهر.