الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٧٦ - عصره
النظر و الجدل، فكانت المجالس تعقد للمناظرة، و تشد الرحال للمدارسة و الاحتجاج، و لا سيما في الإمامة، لأنها الأصل الذي يصحح للخليفة- بالشكل المعهود- أن يستولي به على العباد و البلاد باسم الشريعة، و يصحح له أن يكون ولي الأمر الذي تجب طاعته على الأمّة، أو يمنعه عن التصرّف في مقدرات البلاد، و القبض على رقاب العباد، و يأبى له من أن يكون الحجة من الخالق إلى المخلوق.
فالملوك من أمية و بني العباس وقفوا سدّا دون سيل الكلام في الإمامة لئلا يشيع رأي الشيعة فيها، و ألجموا الأفواه، و حجروا العقول، و منعوا حرية القول، و ساروا بالناس سيرة إرهاب و تهديد.
فكان هشام بن الحكم واسطة القلادة في تلك الأندية، يساجل في كل أصل، فإن انتهت الخصومة إلى الإمامة، أدلى بحجته، مصرحا إن أمن من العقاب، و ملوحا إن خاف النكال.
لأن إثبات الإمامة في الأئمة الاثني عشر هدم لصروح إمامة الأوائل، وثل لعروش الأواخر [١]. و كان لمجلس يحيى البرمكي الذي يعقد في بغداد للمناظرة أثر كبير في تنوير العقول، و لا يعقد ذلك المجلس إلّا تحت إشراف هشام و رئاسته. و من الحق أن نقول: إن هشاما كان من مفاخر الأمة الإسلامية، فقد جنّد نفسه لخدمة الحق، و نشر مبادئ الإسلام، و قد تصدّى للرد على أعداء الدين، و رفع الغشاوة من بعض العقول التي قد ركبها الشطط، و غلبها الغرور.
سأل ضرار هشام بن الحكم عن الدليل على الإمام بعد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فقال هشام:
الدلالة عليه ثمان دلالات: أربع منها في نعت نسبه، و أربع منها في نعت نفسه. أما الأربع التي في نعت نسبه: فأن يكون معروف القبيلة، معروف الجنس، معروف النسب، معروف البيت. و ذلك أنه إذا لم يكن معروف القبيلة معروف الجنس معروف النسب معروف البيت. جاز أن يكون من أطراف الأرض و في كل جنس من الناس، فلما لم يجز أن يكون الدليل إلّا في أشهر الأجناس، و لما لم يجز أن يكون إلّا في هذا الجنس لشهرته؛ لم يجز أن يكون إلّا هكذا، و لم نجد جنسا في العالم أشهر من جنس
[١] عن كتاب حياة هشام لشيخنا المظفر مخطوط.