الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٣٩ - التطرّف بالتزام المذهب
و نحو ذلك من إبهام المساواة فانتهت صورة الحال، فتقدم الخليفة أن يلتزموا بذكر كلام المشايخ و احترامهم، فأجابوه بالسمع و الطاعة [١].
و بذلك أصبح الالتزام بهذه المذاهب أمرا رسميا لا يمكن خلافه، و قضي على غيرها من المذاهب المعمول بها في ذلك الوقت- على قلة اتباعها- كمذهب سفيان الثوري، و مذهب داود بن علي الظاهري، حتى أدت الحالة إلى محو الجميع، و بقاء المذاهب الأربعة نظرا لما أظهرته السلطة من تهديد و توعيد، و ترغيب و ترهيب (و لم يبق لأهل السنّة إلّا المذاهب الأربعة السابقة، لأنّها وجدت من الملوك و الوزراء من يحمل الناس عليها، و ينشيء لها تلك المدارس، و يحبس عليها تلك الأوقاف، فلما طال العهد بها على الناس أخذوا يتعصّبون لها و ينكرون ما عداها من المذاهب السابقة) [٢].
التطرّف بالتزام المذهب:
و اتسع الخلاف و كثر الجدل، و عظمت الفرقة، و ذهب كلّ إلى تأييد مذهبه و تصويب رأيه، و إبراز صرة إمام مذهبه في صفحة الوجود بإطار الغلو و العبقرية الادعائية، لا العبقرية الواقعية، جهلا منهم بعاقبة الأمر، و اتباعا لهوى سلطان لا يروق له اتحاد الأمة.
و قد اندفع المتطرّفون إلى أبعد حدّ من الشذوذ، و لم يصغوا لأهل الاعتدال و التوازن منهم، و لم يجعلوا وزنا لأقوال أئمتهم، و ما هو مأثور عنهم: بأنّهم لم يصلوا إلى تلك الدرجة التي يدعونها لهم، فإنهم بشر يخطئون و يصيبون، و أن أقوالهم لا قيمة لها تجاه الأثر و النصوص النبوية، كما يأتي بيانه. لم يسمعوا ذلك، بل وصفوهم بما تهوى أنفسهم، كما وصفوا أبا حنيفة بأنّه: سراج الأمة، و سيد الأئمة، و محيي السنّة، و أنه إذا تكلم خيّل إليك أن ملكا يلقنه، و ما كلّم أحدا في باب من أبواب الفقه إلّا ذلّ له، و إذا أشكلت مسألة على أعلم الناس سهلها عليه. كما تجد ذلك في كتب مناقبه للمكي، و الكردري و غيرهما.
و أنك لتدهش من تلك الألفاظ الفارغة، التي لا تجد فيها سوى التهجم على
[١] الحوادث الجامعة ص ٢١٦- ٢١٧.
[٢] ميدان الاجتهاد ص ١١.