الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٥١٣
ينفض ثوبه- و يقول: زنديق، زنديق، زنديق، و دخل البيت [١].
و في ذلك العصر اتسع نطاق النشاط العلمي، فكان في كل بلد إمام له مذهب ينسب إليه، ففي الشام مذهب الأوزاعي، و في مصر مذهب الليث بن سعد، و في الكوفة مذهب سفيان الثوري و ابن عيينة، و غيرها من المذاهب التي انقرضت و لم يكتب لها البقاء.
و لكن المذهب الحنفي قد سعد دون غيره برجال دونوا فيه و ألّفوا، و كانت لهم السلطة التشريعية، فأبو يوسف قاضي قضاة الدولة العباسية كان يتولى نشر المذهب بقوة سلطانه، و نفوذ أمره.
و إذا أردنا أن نقيس شهرة أبي حنيفة في عصره، و منزلته في مجتمعه، فلا يعدو أن يكون واحدا من الشخصيات التي نبغت في ذلك العصر، بل كان الكثير منهم يفوقه شهرة.
و لكنه على مر الزمن أصبح أبو حنيفة يذكر اسمه بالإعجاب في العالم الإسلامي، و يجب أن يلاحظ. و ذلك كنتيجة للعصور المتأخرة و لتلامذة أبي حنيفة، و على الأخص لمحمّد بن الحسن الشيباني. فقد كتبوا كتبا و دونوا فيها كل العلوم و التجارب، و أضافوها إلى السلف و ختموا كل ذلك بخاتم راويهم الأخير و هو أبو حنيفة، فكان من أجل ذلك عند الأجيال المتأخّرة هو المبدع الوحيد، و المؤسّس لعلم الفقه و طريقته، و الفقهاء الكبار الذين عاشوا قبله، و الذين عاصروه لا يعرف عنهم شيء، من أجل نقص الكتب التي تحمل اسمهم. و من ناحية أخرى فقد كانت مساهمة تلامذة أبي حنيفة في تكوين الروايات و تكميلها غير منفصلة عن عمل أستاذهم [٢].
و كان لتلامذة أبي حنيفة آراء خاصة، فإنك تجد في كتب الحنفية أقوال أبي يوسف، و محمّد بن الحسن، و زفر بن الهذيل، حسب ما يظهر لهم من المعاني و الآثار فوافقوا أبا حنيفة في بعضها، و خالفوه في كثير من الآراء و الأقوال، و قد حاول بعض الحنفية أن يجعل أقوالهم المخالفة لأبي حنيفة أقوالا له رجع عنها، أو أن أبا حنيفة جعل ما يصح من الحديث مذهبا له، فتكون أقوال تلامذته التي اجتهدوا فيها
[١] طبقات الحنابلة ج ١ ص ٣٨.
[٢] نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي ص ٢٣٥.