الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٥١٢
و إن الناظر إلى تأريخ المذاهب يلزمه أن يروّض نفسه على أن يسير وفق الأمور التي يقتنع بصحتها، فإن هناك عاطفة و تعصبا، و هناك سياسة و تدخلا، و هناك عداء و تحزبا، فلا بد إذا من الوقوف وقفة المتبصر الطالب للحقيقة، المتجرد عن التحيّز و التعصّب، ليسهل عليه أن يقتطف زهرة الحقيقة من بين تلك الأشواك، و يعرف وجه الصواب، و تتضح له الأغراض التي كمنت وراء ستار شفاف من المظاهر.
لذلك ينبغي أن أشير إلى الصعوبة التي يلقاها الباحث عن المذاهب لوجود عقبات التعصّب، و ترسبات الطائفية، و أن أكثر من كتب في هذا الموضوع لم يساعده التوفيق على ترويض نفسه لتحمل الصعوبات، و قد استعرضنا في أبحاثنا هذه إلى كشف الحقيقة و إظهار الواقع، و إن كنا قد تعمدنا ترك أشياء كثيرة ربما يكون بذكرها احتمال تحامل أو طعن، و نحن نبرأ إلى اللّه من ذلك، فلم نقصد إلّا الخدمة للمصلحة العامة، و محاربة تلك النعرات التي من ورائها خصومات و تشاجر، و فرقة و تباعد، و اتهام بالباطل و هضم للحقائق و ظلم للتاريخ.
و قد رأينا كيف انقسم العلماء في القرن الثاني إلى قسمين: أهل حديث و أهل رأي. و كان أهل المدينة يمثّلون القسم الأول، و أهل العراق يمثّلون القسم الثاني، و أصبح لكل جانب أنصار و متعصّبون، و اشتهر أبو حنيفة بالقياس و قلة الحديث.
سئل رقبة بن مسقلة عن أبي حنيفة فقال: هو أعلم الناس بما لم يكن، و أجهلهم بما كان. و قد روى هذا القول عن حفص بن غياث. يريد أنّه لم يكن له علم بآثار من مضى [١].
و أصبح أهل الحديث ينقمون على أهل الرأي، حتى خرج ذلك النزاع عن حدود المقاييس العلمية، و بلغ إلى التهاجي و التعصّب، فكان كل فريق يحاول الانتصار على الآخر، فهذا يهجو خصمه بشعره، و ذلك يردّ عليه بالمثل، و تحيز لكل فريق جماعة، و تعددت عوامل الفرقة حتى أدّى ذلك إلى الطعن في العقائد، و الحط من الكرامات.
قال أحمد بن الحسن لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد اللّه: ذكروا لابن أبي قتيلة بمكة أصحاب الحديث فقال: أصحاب الحديث قوم سوء. فقال أبو عبد اللّه- و هو
[١] تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية ص ٢١٣.