الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٩٩ - انتصار المحدثين
فأصبح الناس لا يرون أن ذلك يرجع إلى قواعد علمية، أو أنها مسألة تنزيه اللّه سبحانه و تعالى، أو مغالبة رأي برأي، بل جعلوا ذلك محنة نزلت في الإسلام و المسلمين، فهم يرون السجون قد ملئت برجال المحدثين، و الولاة في كل مكان يمتحنون الناس بقوة السلطان، فالجنود يسوقون الناس بسياطهم و سيوفهم إلى مجالس الامتحان، بل إلى محاكمات المعتزلة، و بهذا فقد كره الناس الاعتزال لأن الحكومة احتضنته، و أرادت فرضه بالقوة، و العقائد لا ينشرها التعذيب و الإرهاب، و إنما ينشرها الإقناع و الدعوة بالحكمة و الموعظة الحسنة. و قد وقع المعتزلة في سلوك يجافي ما ادعوه.
و بهذا استغل المشنّعون على المعتزلة الفرصة، فأساءوا إلى سمعتهم، و شوهوا دعوتهم، و دخلوا على أذهان العامة من الباب التي يتفق و عقليتهم.
كما أنهم التفوا حول المعارضين لهذه الدعوة، و الثابتين في المحنة، و كلما ازدادت المحنة ازدادت العامة إيمانا بعقيدتهم، و تأييدا للرجال الذين لم يجيبوا إلى ما طلب منهم.
و كان امتحان أحمد بن حنبل لم يصل إلى حد السيف كغيره من العلماء الذين كانت نهايتهم القتل، و التأبيد في السجن، فقد نجا من ذلك و كان هو بقية الفئة التي ثبتت من المحدثين على الامتناع- بأي صورة كان- فكانت العامة تنظر إليه كبطل قارع خصمه و ثبت على إيمانه.
فأصبح بعد رفع المحنة شخصية لها أثرها، لا سيما و أن السلطة قد لحظته بالعناية أيام المتوكل، عند ما رفع المحنة، فكان محل ثقة الجماهير، و احترام العلماء من المحدثين، حتى أصبح حبه علامة الإيمان، و بغضه علامة الكفر. و أن من وثقه ابن حنبل وثق، و من ضعفه ضعف. و انتصرت العامة أيام المتوكل بانتصار المحدثين.
انتصار المحدثين:
انتصر المحدثون بعد أن أفل نجم المعتزلة بانحراف المتوكل عنهم، و بذلك انفجر بركان غيظهم و ظهر حقدهم الدفين، و انطلقت حركة الانتقام جامحة، فجاهروا بلعن المعتزلة و وصفوهم بكل قبيح، بل تجاوزوا الحد إلى سواهم ممن لم يكونوا على رأي أصحاب ابن حنبل.