الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٥٠٠ - انتصار المحدثين
و اتخذوا تشييع الجنائز كمظاهرات لإظهار الشعور، و التظاهر بالسبّ لمن خالفهم، كما صنعوا في تشييع جنازة أحمد بن نصر التي مشى فيها جماهير العامة في بغداد، و صاروا يتمسّحون بالنعش حتى أن المتوكل تخوف من اجتماع العامة و تجمهرهم على ذلك النحو، فكتب إلى عامله يأمره بمنعهم من الاجتماع و الحركة في مثل هذا و شبهه.
و كذلك فعلوا في جنازة ابن حنبل، فإنه يقال أن خلقا كثيرا مشوا فيها، و حدّث أحد الذين شهدوها قال: إنه مكث طوال الأسبوع رجاء أن يصل إلى القبر فلم يتمكن إلّا بشق النفس لكثرة ازدحام الناس عليه.
و هكذا تحولت تلك الجنازة إلى مظاهرة عظيمة، أظهر القوم فيها التفجع على الإمام الراحل، و طعنوا في أهل البدع (كما يرون) و لعنوهم (كما يشاؤون) و لزم بعضهم القبر و باتوا عنده، و جعل النساء يأتين إليه، فاضطرت السلطة إلى أن أرسلت حامية إلى ذلك الموضع منعا لوقوع الفتنة [١].
و على أي حال: فقد كان المحدثون يصبون جام غضبهم على أعدائهم لعنا و قتلا و تكفيرا، و تمادوا في مهاجمة المعتزلة حتى قالوا: إن المعتزلي لا تجوز الصلاة عليه، و إن دماءهم و أموالهم حلال للمسلمين، و فيه الخمس، و ليس على قاتل الواحد منهم قود و لا دية و لا كفارة، بل لقاتله عند اللّه القربة و الزلفى [٢].
و قد وضع بعضهم من الأحاديث ما شاءوا، و من المنامات ما أرادوا، و قام القصاصون في نشرها على ذلك المجتمع الذي سادت فيه روح النقمة بعد نشوة الانتصار.
كما حكموا على من لم يقل بمقالتهم في خلق القرآن بالكفر و الخروج عن الدين، و كان أحمد نفسه يرى ذلك، فقد حكم على جماعة ممن أجاب في المحنة بالكفر.
و كان لا يرى إجزاء تحرير رقبة عبد يقول بخلق القرآن.
[١] المعتزلة لزهدي حسن جار اللّه ص ١٨٥- ١٨٦.
[٢] الفرق بين الفرق ص ١٥١.