الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١١٩ - الجبرية
و لكل فرقة أقوال و آراء، ذكرها المؤلّفون في الفرق، و لا يتسع المجال بهذا العرض للتعرّض لذكرها بأكثر من هذا.
الجبرية:
الجبر هو نفي الفعل عن العبد حقيقة، و إضافته إلى الربّ حقيقة، و زعمت هذه الفرقة: أن الإنسان لا يخلق أفعاله، و ليس له مما ينسب إليه من الأفعال شيء، فقوام هذا المذهب نفي الفعل عن العبد، و إضافته إلى الرب تعالى.
و قد اختلفت الأقوال في نشأة هذه الفرقة، و من هو القائل بها أولا؟ فقيل: إن أول من قال بهذه النحلة رجل يهودي، و قيل الجعد بن درهم، أخذها عن أبان بن سمعان، و أخذها أبان عن طالوت بن أعصم اليهودي. فهي على هذا فكرة يهودية، و قد ضل بها خلق كثير.
و بهذا المذهب لا يكون للإنسان كسب و لا إرادة و لا اختيار و لا تصرّف، فيما وهبه اللّه من نعمة العقل على حسبه، فكيف يكون له مطمع في ثواب أو خوف من عقاب؟
و قد انتشر هذا المبدأ و مبدأ المفوضة: و هم الذين يقولون بتفويض الأفعال إلى المخلوقين، و رفعوا عنها قدرة اللّه و قضائه، عكس المجبرة الذين أسندوا الأفعال إليه تعالى، و أنّه أجبر الناس على فعل المعاصي، و أجبرهم على فعل الطاعات، و أن أفعالهم في الحقيقة أفعاله، فكان أثر هاتين الفكرتين سيئا في المجتمع الإسلامي، تصدّى الإمام الصّادق (عليه السلام) للردّ على هؤلاء، و أعلن العقيدة الصحيحة و الرأي السديد في التوسّط بين الأمرين فقال (عليه السلام):
«لا جبر و لا تفويض و لكن أمر بين أمرين» و خلاصته: أن أفعالنا من جهة، هي أفعالنا و تحت قدرتنا و اختيارنا؛ و من جهة أخرى، هي مقدورة للّه تعالى، و داخلة في سلطانه، فلم يجبرنا على أفعالنا حتى يكون قد ظلمنا في عقابنا على المعاصي، لأن لنا القدرة على الاختيار فيما نفعل، و لم يفوض إلينا خلق أفعالنا حتى يكون قد أخرجها عن سلطانه، بل له الخلق و الأمر و هو قادر على كل شيء و محيط بالعباد.
و اعتقاد الشيعة في ذلك وسط بين المذهبين، كما بيّنه أئمة الهدى، و دلّت عليه كلمة الإمام الصّادق المشهورة.