الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٧٨ - نهيه عن المنازعات و فض الخصومة لدى حكام الجور
قال: «اهجروهم و اجتنبوا مجالسهم».
فهو يوجب على العالم أن لا يتخلى عن تعليم الجاهل الذي يتردّى بجهالته، فيرتكب ما يخالف الدّين، و يدخل به الأذى على دعاة الإصلاح و حماة المسلمين، و لا يصح لهم هجره إلّا بعد اليأس من إصلاحه، و إزالة الغشاوة التي أعمت بصره، ففي هذه الحالة تكون مواصلته تشجيعا، و مجالسته إغراء.
و كان (عليه السلام) يبذل جهده في توجيه الناس و تقويم أخلاقهم، و إصلاح شئونهم ما استطاع، و يريد منهم أن يلتزموا الجوهر و يتركوا العرض، و يأمرهم بالعمل، و يدعو ذوي اليسر إلى الإنفاق على ذوي العسرة، و أن يوسعوا على المضيق منهم حتى يمنعوهم من ذلّ السؤال، و كان ينفق حتى لا يبقي شيئا لعياله [١] كما يحدّث عنه الهياج بن بسطام.
يقول شعيب بن ميثم: قال لي الصّادق: «يا شعيب أحسن إلى نفسك وصل قرابتك، و تعاهد إخوانك، و لا تستبد بالشيء فتقول: ذا لنفسي و عيالي، إن الذي خلقهم هو يرزقهم».
إلى غير ذلك من أقواله و أفعاله، التي كان يبعث فيها الشعور لسامعيه على لزوم التخلّق بالسجايا الحسنة اقتداء به، لأنه (عليه السلام) كان حريصا على توجيه المجتمع، و التخلّي بآداب الإسلام، فهو يدعو الأغنياء لمواساة الفقراء و الإحسان إليهم، لنزول عوامل العداء و الحسد و البغضاء، و يكون الجميع إخوة، كل يحب الخير لأخيه، فلا أثرة و لا بخل، و لا إهانة بعض لبعض، و لا خصومة و لا مشاحنة، إلى غير ذلك مما دعا الإسلام كل مسلم أن يتصف به.
و لحرصه (عليه السلام) على تأليف القلوب و إزالة الشحناء، و إطفاء نار العداوة و البغضاء، كان يدفع إلى بعض أصحابه من ماله ليصلح به بين المتخاصمين على شيء من حطام الدنيا تسوية للخلاف، و دفعا للتقاطع و التهاجر. و منعا من الترافع لحكام الجور.
نهيه عن المنازعات و فض الخصومة لدى حكام الجور:
قال أبو حنيفة و اسمه سعيد بن بيان: مرّ بنا المفضل بن عمرو أنا و ختن لي
[١] القرماني ص ١٢٨. و كشف الغمة للاربلي ج ١ ص ٢٢٣.