الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣١٢ - ملاحظات حول دعوته الإصلاحية
فلقد كان (عليه السلام) قويا في دينه لا يهن لشدة، و لا يضعف عند النكبة، بل يتلقى كل ذلك بقلب لا يتسرّب إليه الضعف، و فؤاد لا يتزلزل عند النوازل، و هو قوي الثقة بربّه و خالقه، كثير الرجوع إليه في حاجاته و مهماته، يلجأ إليه في كل شدة، و ينتصر به على أعدائه، و يرد بالالتجاء إليه كيدهم، و ما يريدونه به من سوء و ما يدبّرون له من مكائد.
و لقد مرّت عليه أيام مختلفة تبدلت فيها سياسات، و تقلّبت فيها أمور، و شاهد أنواعا من الحكم، و كانت الأيام تبسم له مرة و تعبس أخرى، و يقسو عليه الحكم تارة، و يلين تارة أخرى، و هو يتحمّل الأذى و يصبر على المحن، و كيف لا يكون كذلك و هو يحمل رسالة الإصلاح و أعظم مصلح عرفه التأريخ في عصره و بعد عصره. كان هدفه تقويم المعوج و إرشاد الضال و توجيه الشاذ، ليسير بالقافلة في طريق الخير مرحلة إثر مرحلة، و لا تحول دونه و دون عزيمته المخاطر و الأهوال، و لا يخشى انفجار مشاعر أعدائه المكبوتة. و غيظهم المتوقد، و قد مرّ غير مرة محاولة أعدائه للفتك به، و القضاء عليه، و ترويج التهم حوله، و لكن اللّه عصمه ورد كيدهم عنه، و لما حل قضاءه و لا راد لقضائه نفذ ما أرادوه، و تم ما حاولوه من المكيدة.
فمضى بعد أن ترك للأجيال دروسا و عبرا لم تكن مقصورة على أتباعه فحسب، بل كانت عامة لجميع الأمة.
ملاحظات حول دعوته الإصلاحية:
١- إن قوله (عليه السلام): «كونوا دعاة صامتين». لم يكن المقصود منه كون الداعي للعمل الصالح صامتا مطلقا، لأن ذلك ينافي قوله (عليه السلام): «تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر». و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لا يكونان مع الصمت، و لكن المقصود بأن يكون القول مقرونا بالعمل، إذ هو بدونه لغو كما تقدم بيانه، فجعل (عليه السلام) الدعوة بالعمل الصالح قبل الدعوة بالقول.
٢- إنه كان يأمر بالإقدام على النصح، و أن لا يحول بين الداعي و بين نشر دعوته خوف ظالم؛ لأن الأمر بالمعروف من أهم فروض الإسلام و أكبر واجباته، إذ هو أساس نشر الحق، و إعلان المبادئ السامية. فيقول في الحثّ عليه: «اؤمروا بالمعروف و انهوا عن المنكر، فإن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لم يقربا أجلا و لم يبعدا رزقا».
و يقول: «ويل لقوم لا يدينون اللّه بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر».