الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣١٣ - ملاحظات حول دعوته الإصلاحية
٣- يتجلى لنا أن هذه الدعوة قد وقفت في طريقها عقبات و حواجز، لأن في انتشارها انتشار لمبادئ الإسلام و نظمه و تعاليمه، و لم يبق من وراء ذلك لظالم طمع بالحكم، و لا لمعادي الإسلام من وسيلة يحاربه بها انتصارا لمبادئه، لذلك فقد أحست العناصر المعادية للإسلام بخطر هذه الدعوة، و إنها بدون شك ستقضي على مآربهم التي من أجلها اندسوا في صفوف المسلمين، و تهدم آمالهم المعقودة على ذلك التدخّل، من إثارة الفتنة و تشويه محاسن الإسلام، عند ما يغيرون الحقائق و يقلبون الأوضاع، و لهذا أطلقوا دعاتهم ضد تحقيق هذه الدعوة الإصلاحية، فانتحلوا لأنفسهم حب أهل البيت، و أظهروا ولاءهم للإمام الصّادق، الذي انفرد بزعامة ذلك البيت الطاهر. و قد تبرأ منهم و أمر بهجرهم. لأن تلك الفئة المعادية للإسلام انطلقت بكل قوة، فاستغلت جهالة العامة ممن لم تساعدهم ظروفهم على الاتصال بأهل البيت، فصدقوا بما ادعاه أولئك المندسون في صفوف الأمة من الغلو في أهل البيت.
٤- إن الناس في مقابلة الدعوة الإصلاحية ثلاثة طوائف: فطائفة تتقبل الدعوة و تناصرها ظاهرا و باطنا و يضحون في سبيل مناصرتها، و هم ذوو العقول الراجحة الذين لم تستطع العاطفة أن تسيطر على عقولهم، بل غايتهم اتباع الحق، و الحق أحق أن يتبع.
و طائفة أخرى تعادي تلك الدعوة ظاهرا و باطنا، مع اتضاح صدق الداعي و ظهور حجته، و وضوح برهانه، و هم المعاندون، و المعاند لا يقنع بشيء، لأنه لا يطلب حقا و لا يحيد عن باطل، و إنما هو متعنت يخالف الواقع، و يبعد عن سنن الطريق لخبث في نفسه و فساد في طويته.
و طائفة ثالثة تعادي في الباطن و تناصر في الظاهر و هم المنافقون [١] و هؤلاء أشد ضررا على الدعوة من الفئة الثانية، و هم المعادون لها ظاهرا و باطنا، لأنّهم شاركوهم بتلك الصفات الخبيثة، و قد امتازوا عليهم بالجبن و الخور و ضعف القلب، فلا
[١] المنافق مشتق من النافقاء، و هو حجر الضب أو اليربوع، فالمنافق هو مثل ذلك الحيوان الخبيث يعمل له جحرا في الأرض يسمى النافقاء، له بابان إذا أراد أن يدخل إليه من أحد البابين لوح له بذنبه أنه مقبل عليه ليطمعه، ثم يخرج من الباب الآخر، أو هو كجحرة اليربوع التي يعملها في الأرض ظاهرة يراها الناس، فإذا ذهبوا إليها إذا به قد أعد جحرا آخر قد أخفاها عن الناس. و نافق اليربوع إذا أتى النافقاء.