الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٤٣ - الإمام أبي حنيفة لا يلزم بالرجوع إليه
و الرجوع لأقوالهم أمرا إلزاميا. و لا نعلم من أين جاء هذا الالتزام، و الأئمة أنفسهم ينهون عن ذلك؟! و لجلاء الأمر نضع صورة موجزة من أقوال أئمة المذاهب.
الإمام أبي حنيفة لا يلزم بالرجوع إليه:
إن أقوال أبي حنيفة و آثاره تدل على عدم الإلزام بالرجوع إليه، و أخذ قوله دون غيره، و أن حكمه هو الصواب لا غير، حتى أدّى الأمر إلى أن يتعصّب أكثر اتباعه في تقديم قوله على الآثار الصحيحة. و كيف ساغ لهم ذلك و هو ينهى عنه؟!! كما كان ينهى عن تقليده، بما اشتهر عنه أنّه كان يقول: (إذا صح الحديث فهو مذهبي).
و قوله: لا ينبغي لمن لا يعرف دليلي أن يفتي بكلامي. و في رواية: حرام على من لا يعرف دليلي.
و كان يقول: هذا رأي النعمان بن ثابت- يعني نفسه- و هو أحسن ما رأيت، فمن جاء بأحسن منه فهو أولى بالصواب [١].
و قال: هذا الذي نحن فيه رأي لا يجبر أحد عليه، و لا نقول يجب على أحد قبوله بكراهية، فمن كان عنده شيء أحسن منه فليأت به [٢].
و قيل لأبي حنيفة: إذا قلت قولا و كتاب اللّه يخالفه؟ قال: اتركوا قولي بكتاب اللّه. فقيل: إذا كان خبر الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)؟ فقال: اتركوا قولي لقول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).
فقيل: إذا كان قول الصحابة يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لقول الصحابة [٣].
و قد اشتهر منع الفتوى بدون معرفة الدليل على أكابر أصحاب أبي حنيفة.
قال عصام بن يوسف: كنت في مأتم، فاجتمع فيه أربعة من أصحاب أبي حنيفة: زفر بن الهذيل، و أبو يوسف، و عافية بن يزيد، و آخر، فكلهم أجمعوا على أنّه قال: لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا ما لم يعلم من أين قلناه. قال الشيخ صالح بن محمّد العمري: إن هؤلاء الأئمة لا يبيحون لغيرهم أن يقلّدهم بغير أن يعلموا دليل قولهم [٤].
[١] حجة اللّه البالغة ج ١ ص ١٥٢- ١٥٣.
[٢] الانتقاء ص ١٤٠.
[٣] الوحدة الإسلامية ص ٩٧.
[٤] إيقاظ همم ذوي الأبصار ص ٧٢.