الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢١٤ - بذخ الدولة العباسية
المجوهرات و الحلل، و قد سلكت في صرف الأموال طريقة الرشيد، فكانت تستهين بالأموال، و لا تحسب لها أي حساب.
خرج الرشيد منها يوما يضحك، فسئل عن ذلك فقال: دخلت اليوم على هذه المرأة (يعني زبيدة) فأقلت عندها فما استيقظت إلّا على صوت ذهب يصب، و قالوا هذه ثلاثمائة ألف دينار قدمت من مصر، فقالت: زبيدة هبها لي يا ابن عم. فقلت: هي لك، فما خرجت من عندها حتى عربدت عليّ و قالت: أي خير رأيته منك [١].
و أهدت لأبي يوسف القاضي لأجل فتوى أفتاها توافق مرادها فكان فيها: حق فضة فيه حقان، في كل حق لون من الطيب، و جام ذهب فيه دراهم، و جام فضة فيه دنانير، و غلمان و تخوت من ثياب و حمار و بغل [٢].
و اشترى الرشيد من مسلم بن عبد اللّه العراقي درة بسبعين ألف دينار، و اشترى فص ياقوت أحمر بثمانين ألف دينار و كان وزنه مثقالا و نصفا، و كانت بيده سبحة فيها مائة حبة كل حبة اشتريت بمائة ألف دينار.
و هكذا كانت الأموال تنفق في البذخ و الإسراف، و توزع بين طبقة خاصة من الناس، و يتنعم بها أفراد قلائل. و قد استغل الولاة هذه الفرصة، فجمعوا الأموال الطائلة، و ادخروا العروض و بنوا الأملاح، و قد ترك سليمان بن جعفر العباسي ستين ألف ألف دينار ما عدا المتاع و الدواب [٣] و هكذا غيره من الولاة و الأمراء و من سار في ركاب الدولة من سائر الناس. على حين أنّ هناك آلافا من المسلمين قد تلاطمت بهم أمواج العسرة، و لعبت بهم عوامل الفقر المدقع، لأن ثروة الأمة و أموال المسلمين أصبحت تحت تصرف الطبقة الحاكمة من نساء و رجال، يتصرّفون بها في لذاتهم بغير مانع و لا رادع، و كانوا يتفننون في الملبس و المأكل، فيجلبون لحوم الطيور و لو بعد مكانها، فتأتيهم على البريد و ينفقون على ذلك الأموال الطائلة، ليتنعموا في المأكل [٤] كما قد جلبت لهم الفواكه من أقصى البلدان. و اتخذوا الأسرّة الذهبية المرصعة بالجوهر، و الحصر المنسوجة بالذهب المكلّلة بالدر و الياقوت [٥].
[١] البداية و النهاية ج ١٠ ص ٢١٩.
[٢] مروج الذهب ج ٣ ص ٢٦٠.
[٣] تاريخ ابن خلدون ج ٣ ص ٤٦٣.
[٤] ثمار القلوب ج ١ ص ٤٢٨.
[٥] ابن خلدون ج ٥ ص ١٠٦.