الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢١٥ - بذخ الدولة العباسية
و كان شغف نسائهم بالتفنن في ألوان الزينة يبعث على العجب و الاستغراب، كما و أنهن اتخذن من الأملاك ما كانت وارداته أكثر من ألف ألف و ستمائة ألف دينار.
إلى جانب ذلك اتخاذهم مجالس الشرب و الغناء، و إغداقهم في العطاء على المغنين، حتى أن بعض المغنين الذي كان يغني لسيدة، أورث ابنا له أربعين ألف دينارا.
و قد جعل الرشيد للمغنين مراتب و طبقات. و كان الأمين لا ينقطع عن الشراب.
و وجه إلى جميع البلدان في طلب المغنين، و أجرى لهم الأرزاق. و غناه أحد المغنين فأعطاه أربعين ألف دينار.
كما و قد زاد نشاط الجواري لشغف الخلفاء بهنّ، فكان لهن نفوذ في المملكة و سلطة على الأمر. و كانت لهارون الرشيد جارية تسمى (هيلانة) لها منزلة عنده. فلما ماتت رثاها بأبيات من الشعر، كما رثاها الشعراء تبعا لرغبته فأجاز بعضهم أربعين ألف دينار [١].
هذا في الوقت الذي نجد رجال الأمة و صلحاءها و الأحرار من أبنائها يتجرعون غصص الحاجة، و كان نصيب أكثرهم الخوف و التشريد، و ظلمة السجون و التعذيب و القتل. كما نجد ألوان العذاب تصبّ على رءوس أهل الخراج من قبل عمال الدولة، و يعاملونهم أسوأ معاملة و أقساها.
و لا يسعنا المضي في الموضوع بأكثر من هذا. و الغرض الذي سقنا لأجله هذه الأمور، هو إعطاء صورة عن بذخ ذلك العصر، و الإسراف الذي بلغ إلى أبعد حد و لم يقتصر ذلك على عصر الرشيد، بل اندفع أحفاده و أولاده إلى التبذير بصورة ربما تكون أوسع و أكبر.
فإنا نجد الأمين قد أسرف إلى أبعد حد. و كان المعتصم [٢] لا يقل درجة عنه.
فقد ترك ثروة طائلة كان منها ثمانية آلاف ألف دينارا من الذهب، و ثمانية عشر ألف ألف درهما، و من الخيل ثمانين ألف فرسا، و من الجمال و البغال مثل ذلك، و من
[١] تاريخ ابن كثير ج ١٠ ص ١٦٥.
[٢] هو أبو إسحاق محمّد بن المعتصم بن هارون الرشيد، ثامن خلفائهم، و كان أميا لا يحسن القراءة، أكثر من استخدام الترك، و كان له من المماليك منهم عشرون ألفا، توفي في ربيع الأول سنة ٢٢٧ ه.