الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١١٠ - الخوارج
الأصحاب في حلقاتهم و دروسهم على تلك الطريقة و ذلك المنهج، و من قصده من أصحاب الفرق و الأقوال بعد سماعه ما تتحدّث به الركبان و تلهج به الألسن من علم الإمام الصّادق يلق من الإمام حججا ساطعة و براهين واضحة لا يملك معها الإنسان إلّا أن يثوب إلى رشده أو يكابر و يعاند. و من الضروري التعرّف على أهم تلك الفرق الإسلامية، التي نشأت في عصره أو سبقته بدون إحاطة أو إسهاب في البيان.
الخوارج:
نشأت هذه الفرقة بصفّين، عند ما طلب معاوية التحكيم من الإمام علي (عليه السلام)، و هي خدعة حربية استعملها معاوية و دلّه عليها ابن العاص عند ما أحس بالهزيمة و لمس الضعف في جيشه، و عرف تفوق علي بحقّه، و إن الحق مع علي (عليه السلام) و قد انضم لجيشه رجال مخلصون قد رسخ الإيمان في قلوبهم.
أراد معاوية أن يوقع الشك، و يحدث الفرقة في صفوف جيش الإمام (عليه السلام) و قد وقع ما أراد معاوية، فقد نفرت طائفة لم يترسخ الإيمان في قلوبهم و مرقوا من الدّين، و لم يقبلوا تحكيم أحد في كتاب اللّه و رأوا أن التحكيم خطأ، لأن حكم اللّه في الأمر واضح جلي، و التحكيم يتضمن شك كل فريق من المحاربين أيهما المحق؟
و ليس يصح هذا الشك، لأنهم و قتلاهم إنما حاربوا و هم مؤمنون.
هذه المعاني المختلجة في نفوسهم صاغها أحدهم في الجملة الآتية: (لا حكم إلّا للّه) فسرت هذه الجملة سير البرق إلى من يعتنق هذا الرأي، و تجاوبتها الأنحاء فأصبحت شعار هذه الطائفة (الخوارج).
و على أي حال، فقد تكونت هذه الفرقة من عناصر مختلفة، و ظهرت منهم مخالفة علي (عليه السلام) و تجرءوا على مقامه. و نسبوا إليه ما لا يليق بشأنه.
و قد نظموا أمورهم، و قاموا بأمر لم يكن وليد وقته و إنما هو أمر مدبّر من ذي قبل، فكانت حرب النهروان، و قضى الإمام علي (عليه السلام) على زعمائهم.
و استمروا على اعتقادهم و حماسهم، و كانوا يظنّون أنّهم أشد فرق المسلمين دفاعا عنه، و أظهروا غضبهم على كثير من الخلفاء، و استعملوا ألفاظا معسولة في الدعوة إلى مبادئهم، و تظاهروا بالهدف إلى العدل و المساواة، و لكنهم تلبسوا بالظلم إلى أبعد حد، و أباحوا دماء جميع المسلمين، و خضبوا البلاد الإسلامية بالدماء.