الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٧٤ - المأمون
و الإحسان إليهم، و خبره مشهور معهم، و كان يفعل ذلك طبعا لا تكلفا، فمن ذلك أنه توفي يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين العلوي، فحضر الصّلاة عليه بنفسه، و رأى الناس عليه من الحزن و الكآبة ما تعجبوا، ثم إن ولدا لزينب بنت سليمان و هي عمة المنصور توفي بعده فأرسل له المأمون كفنا، و سيّر أخاه صالحا ليصلي عليه و يعزي أمه، فإنها كانت عند بني العباس بمنزلة عظيمة، فأتاه و عزاها عنه، و اعتذر عن تخلفه (أي المأمون) عن الصلاة عليه، فظهر غضبها و قالت لابن ابنها: تقدم فصلي على أبيك. و تمثلت:
سكبناه و نحسبه لجينا* * * فأبدى الكير عن خبث الحديد
ثم قالت لصالح: قل له يا ابن مراجل أما لو كان يحيى بن الحسين لوضعت ذيلك على فيك و عدوت خلف جنازته [١].
و في سنة ٢١٠ ه أمر المأمون بردّ فدك إلى أولاد فاطمة (عليها السلام) و كتب بذلك إلى قثم بن جعفر عامله على المدينة كتابا يقول فيه:
أما بعد فإن أمير المؤمنين بمكانته من دين اللّه و خلافة رسول اللّه، و القرابة به أولى من استنّ و نفذ أمره و سلم لمن منحه منحة و تصدق عليه بصدقة؛ و منحته و صدقته باللّه توفيق أمير المؤمنين و عصمته و إليه في العمل بما يقربه إليه رغبته، و قد كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أعطى فاطمة بنت رسول اللّه فدكا و تصدّق بها عليها، و كان ذلك أمرا ظاهرا معروفا لا اختلاف فيه بين آل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و لم تدّعي منه ما هو أولى به من صدق عليه، فرأى أمير المؤمنين أن يردّها إلى ورثتها، و يسلمها إليهم تقربا إلى اللّه بإقامة حقه و عدله، و إلى رسول اللّه بتنفيذ أمره و صدقته، فأمر بإثبات ذلك في دواوينه و الكتاب به إلى عماله، فلئن كان ينادي في كل موسم بعد أن قبض اللّه نبيه أن يذكر كل من كانت له صدقة أو هبة أو عدة فيقبل قوله و تنفد عدته.
إن فاطمة لأولى بأن يصدّق قولها فيما جعل رسول اللّه لها، و قد كتب أمير المؤمنين (أي المأمون) إلى المبارك الطبري مولاه بردّ فدك على ورثة فاطمة بنت رسول اللّه بحدودها و جميع حقوقها المنسوبة إليها من الرقيق و الغلاة ... إلخ [٢].
[١] الكامل لابن الأثير ج ٦ ص ١٧٩.
[٢] فتوح البلدان للبلاذري ص ٤٦.