الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٤٣ - شركاء في المحنة
و من الحق و الإنصاف أن نقول أن المحنة لم تكن مقصورة على أحمد بن حنبل، و إن كان تصوير موقفه قد أخذ يتسع و يتطور، و حيكت حوله أساطير و أقوال، فإن هناك من فقهاء ذلك العصر من كان موقفهم أشد من موقف أحمد في الامتناع، و مواجهة الخطر، و مكابدة المحنة، فقد استشهد الكثير منهم في سبيل معتقده، و قاوم حتى لقي حتفه، كما رأينا في موقف محمّد بن نوح و موته و هو مثقل بالحديد، و إليك ذكر البعض منهم:
شركاء في المحنة:
١- أحمد بن نصر بن مالك الخزاعي المقتول سنة ٢٣١ ه و هو مروزي من مدينة مرو، ينتمي لإحدى العشائر الكبيرة في قبيلة خزاعة، و من تلامذة مالك بن أنس، روى عنه ابن معين و محمّد بن يوسف الطباع.
و كان من أهل العلم، صلبا في عقيدته، قويا في معارضته، و قال أحمد بن حنبل فيه بعد أن قتل: (لقد جاد بنفسه) كما أن له مكانة في المجتمع، فقد شغل أبوه و جدّه المناصب العالية في عهد الخلفاء العباسيين، كما اشتهر هو في الوقت نفسه بالأمانة، و العدالة بين المحدثين من أهل السنّة.
قبض عليه والي بغداد، و امتحنه الواثق و سأله: ما تقول في القرآن؟
قال: كلام اللّه ليس بمخلوق. فحمله أن يقول إنه مخلوق، فأبى.
و سأله عن رؤية اللّه يوم القيامة (و المعتزلة ينكرونها) فقال بها، و روى له الحديث في ذلك.
فقال الواثق: و يحك هل يرى كما يرى المحدود المتجسم، و يحويه مكان، و يحصره الناظر، إنما كفرت برب هذه صفته.
و لما أصر أحمد الخزاعي على رأيه، دعا الخليفة بالسيف المسمى الصمصامة و قال: إني احتسب خطاي إلى هذا الكافر الذي يعبد ربا لا نعبده، و لا نعرفه بالصفة التي وصفه بها. ثم مشى إليه بنفسه، فضرب عنقه، و أمر به فحمل رأسه إلى بغداد، فنصب بالجانب الشرقي أياما، ثم بالجانب الغربي أياما، و لما صلب كتب الواثق ورقة و علقت في رأسه: (هذا رأس أحمد بن نصر بن مالك دعاه عبد اللّه الإمام هارون- و هو الواثق- إلى القول بخلق القرآن و نفي التشبيه، فأبى إلّا المعاندة، فعجل اللّه به إلى ناره).