الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٧٤ - طلبه العلم في مكّة
فهو لهذا الحد و طول ذاك الزمن لم يعرف الفقه، و كان قول الزبيري سببا لتوجيهه إلى طلب الفقه و الحديث، فقصد لمجالسة مسلم بن خالد الزنجي- مفتي مكة المتوفى سنة ١٨٠ ه- و هو أول شيوخ الشّافعي.
و روى النووي عن مصعب بن عبد اللّه الزبيري قال: كان الشافعي في ابتداء أمره يطلب الشعر و أيام العرب، ثم أخذ في الفقه؛ و كان سبب ذلك: أنّه كان يسير يوما و خلفه كاتب لأبي، فتمثل الشّافعي ببيت شعر، فقرعه الكاتب بسوطه ثم قال:
مثلك يذهب بمروته!! أين أنت من الفقه، فهزّه ذلك، فقصد مجالسة مسلم بن خالد الزنجي [١].
و الذي نستظهره من مجموع الروايات، أن اتجاه الشافعي لطلب العلم كان في العقد الثالث من عمره، و على رواية ابن كثير أن بقاءه في البادية عشرين سنة. فيكون طلبه للفقه في العقد الرابع، أي بعد تجاوزه الثلاثين من عمره، فتكون ملازمته لمسلم بن خالد الزنجي قصيرة جدا.
فما يروى عن الحميدي أنّه قال: سمعت خالدا الزنجي و قد مر على الشافعي و هو يفتي، و هو ابن خمس عشرة سنة، فقال: يا أبا عبد اللّه افت فقد آن لك أن تفتي، فإنه لا أصل له، نظرا لما بين أيدينا من الأدلة التاريخية المصرحة بأن الشّافعي لم يعرف بالفقه إلّا من بعد مدة طويلة، مع أن الحميدي لم يدرك مثل هذا التاريخ.
قال الخطيب البغدادي بعد نقل هذه الحكاية: (و ليس ذلك بمستقيم لأن الحميدي كان يصغر عن إدراك الشافعي و له تلك السن) [٢].
و من الغريب إرسال ذلك إرسال المسلّمات، و قد جعلوا هذا النقل من المؤيدات لعلم الشّافعي و علو منزلته، لأنه كان يفتي و هو ابن خمس عشرة سنة.
و بعضهم يرجع إلى الوراء فيقول: إنه كان يفتي و هو ابن عشر سنين! و كل ذلك غير صحيح لأن المشهور عن الشّافعي أنّه قدم مكة و هو ابن عشر سنين أو أكثر و تعلّم القرآن فيها، و انصرف إلى حفظ الأشعار، و لازم هذيلا، و كان مقامه في البادية أكثر من عشر سنين، و قيل عشرين سنة، و قيل سبع عشرة سنة كما تقدم بيانه.
و مها يكن من أمر فإن الشّافعي لم يعرف الفقه و الحديث و هو في مكة، و لكنه
[١] تهذيب الأسماء و اللغات ج ١ ص ٤٦.
[٢] تاريخ بغداد ج ٢ ص ٦٤.