الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣١٠ - مهمة الداعي
و أخلاقية تخوّله أداء واجبه على الوجه المطلوب، إذا فلا بد لمن يقوم بالنصح أن يتصف بالصبر و محامده، و يتحمل الأذى و شدائده، فلا يبالي بما يلاقيه من أذى في سبيل أداء رسالته و نشر عقيدته، و أن تكون له برسول اللّه أسوة حسنة. و كل هذا إنما يتفرع عن الإيمان باللّه و العمل بطاعته.
و قد تضمنت فقرات تلك الوصية المتضمنة لهذه القاعدة الإصلاحية (الدعوة الصامتة) كل نواحي الخير في الإنسان الدالة على كماله النفساني و هي ثلاثة:
١- الناحية الاعتقادية التي تكمن وراءها القوة الروحية، و عليها تبتنى صحة أعماله، و هي تتمثل في إدراكه بصلته باللّه، و امتثال أوامره، و تلك القوة هي أعظم أثرا في قيام الإنسان بالعمل. و هذا الإدراك العقلي، أو الشعور الوجداني بصلة الإنسان باللّه يجعل الإنسان مدفوعا إلى العمل بطاعته.
٢- ناحية خلقه الفردي و تهذيب نفسه بالأخلاق الفاضلة و الخصال الحميدة، لأن بناء المجتمع الصالح إنما هو بصلاح أفراده، و إعدادهم لأن يكونوا أعضاء صالحين، و تزويد كل فرد منهم بما يجب عليه للأسرة و للمجتمع، فإذا صلح الفرد و تهذبت الأسرة صلحت الأمّة، و اتجهت لسبيل الصّلاح.
٣- الناحية الاجتماعية التي تنشأ عن مخالطة الناس و معاشرته لهم من حسن الصحبة، و حسن الجوار، و أداء الأمانة و غيرها، فإذا كملت في الشخص هذه النواحي الثلاثة، كان هو الإنسان الذي يصلح لأن يدعو إلى الخير و سواء السبيل. و على هذا فليست العبرة بالصلاح هي المظاهر التي يكون مرجعها القلب، و ما قد نواه في ذلك، و لكل امرئ ما نوى، فربما يكون الداعي مظهرا للدعوى بطول السجود و كثرة التسبيح، و لكن باطنه غير ظاهره، بل العبرة بالاستقامة ظاهرا و باطنا، و إتيان الأعمال الصالحة التي تنبعث عن النية الصادقة و الإيمان، بما يعود على المجتمع بالسعادة في حسن المعاملة مع الناس، و لذلك يقول الإمام الصّادق (عليه السلام):
«لا تنظروا إلى طول ركوع الرجل و سجوده، فإن ذلك ربما يكون شيء قد اعتاده، و لكن انظروا إلى صدق حديثه و أداء الأمانة».
و الغرض أنّه (عليه السلام) كان حريصا على توجيه الأمّة توجيها صحيحا لتسير إلى المثل الأعلى في الحياة، و أن تسعى ما أمكنها السعي إلى تطبيق نظم الإسلام و تعاليمه. ففي ذلك صلاح المجتمع و سعادته، و أي إصلاح أعظم من نشر دين يهدي الناس إلى المحبة و التعاون و الأخوة الصادقة.