الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٦٨ - أحداث عصره
و الترك (و كان العرب قد ضعف أمرهم في نزاع مع الفرس، فجاءت قوة الترك ضغثا على إبالة).
و استولى الأتراك على الأمور عند ما كثر جمعهم و عظمت شوكتهم، و بدأت العصبية ضد الأتراك من عهد دخولهم بغداد في عهد المعتصم، و شكى إليه الناس من جورهم و سوء تصرفهم، و قد هجاه دعبل الخزاعي بقوله:
لقد ضاع أمر الناس حيث يسوسهم* * * وصيف و اشناس و قد عظم الخطب
و إني لأرجو أن ترى من مغيبها* * * مطالع شمس قد يغص بها الشرب
و همك تركي عليه مهانة* * * فأنت له أم و أنت له أب
و اشتدت محنة أهل بغداد من عبث الأتراك و تعسفهم، و كانوا لا يستطيعون مقابلتهم، لأن السلطان قد لحظهم بالعناية و جعلهم محل ثقته، حتى بلغ الأمر بالمعتصم أنه كتب إلى واليه على مصر، و هو كيدر- و اسمه نصر بن عبد اللّه- يأمره بإسقاط من في الديوان من العرب و قطع أعطياتهم.
و على أي حال: فقد أصبحت الأمور في يد الأتراك، و أصبحوا مصدر قلق و اضطراب، فهم يكرهون العرب، و هم أنفسهم ليسوا في وفاق بعضهم مع بعض، و هم لا ينقطعون عن المؤامرات و الدسائس، و تعصب كل فريق لقائد منهم، و بهذا أصبحت دار السلام و ما حولها ليست دار سلام، إذ غلبت على ذوي السلطة شهواتهم الآثمة، فلا تطرق سمعهم صرخات المفجوعين و لا استغاثة المتظلمين، و لا ينفذ بصرهم إلى ما يعانيه ذلك المجتمع المنكوب الذي دب في جسمه داء الجهل و الفوضى و حب الشهوات، و هم ساهون يعدّون أنفسهم سعداء في شقاء الأمة و أغنياء بافتقارها.
و قد ثارت في عصر الإمام أحمد عاصفة العداء بين الطوائف، و اشتدت الخصومة بينها. مما أدت إلى حلول الكراهية و وقوع الشر بين أفراد و طبقات المجتمع آنذاك.
و كان المحدثون يغذون روح الكراهية تجاه أعدائهم و خصومهم، فذهبوا إلى تكفير المعتزلة و كل من يقول بخلق القرآن. إذ يقول أبو عبد اللّه الدهلي المتوفى سنة ٢٥٥ ه: من زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر و بانت منه امرأته، فإن تاب و إلّا ضربت عنقه، و لا يدفن في مقابر المسلمين. و من وقف و قال: لا أقول مخلوق أو غير