الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٦٩ - أحداث عصره
مخلوق فقد ضاهى الكفر، و من زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع و لا يدفن في مقابر المسلمين.
و على أي حال: فقد قويت. روح الكراهية بين أفراد المجتمع فاشتدت المنازعات و كثرت الخصومة، و تطور الأمر و ازدادت الحوادث، و سارت العامة من أبناء الأمة على هذا النهج، حتى أن امرأة تقدمت إلى قاضي الشرقية عبد اللّه بن محمّد الحنفي فقالت: إن زوجي لا يقول بمقالة أمير المؤمنين، ففرق بيني و بينه [١].
و من تلك الحوادث: أن الواثق لما استفك من الروم أربعة آلاف من الأسارى اشترط فيهم أن من قال: القرآن مخلوق يخلص من الأسر و يعطى دينارين، و من امتنع عن ذلك فيترك في الأسر و لا يفك [٢].
و هذا محمّد بن الليث قاضي مصر كان حنفيا، فانتهز محنة خلق القرآن فأوقع بأصحاب الإمام مالك و الشافعي، و منع فقهاءهم من الجلوس في المسجد، و قال شاعر مصر الحسين بن عبد السّلام الجمل يخاطبه:
و ليت حكم المسلمين فلم تكن* * * برم اللقاء و لا بفظ أزور
و لقد بجست العلم في طلابه* * * و فجرت منه ينابعا لم تفجر
فحميت قول أبي حنيفة بالهدى* * * و محمّد و اليوسفي الأذكر
و حطمت قول الشافعي و صحبه* * * و مقالة ابن علية لم تضجر
و المالكية بعد ذكر شائع* * * أخملتها فكأنها لم تذكر
[٣] و مما تقدم يتبين أن مشكلة خلق القرآن قد زادت من إحداث الفرقة في المجتمع الإسلامي، و من جراء هذه الحوادث التي صاحبت هذه المحنة العامة و المشكلة الاجتماعية فتح باب التدخل من قبل أعداء الإسلام، و كانت الخصومة و الفرقة التي مني بها المسلمون آنذاك، هي الدافع الرئيسي الذي نشط القوى المعادية للإسلام، فقد عملوا على توسيع رقعة الخلاف بين أفراد المجتمع و طبقاته، لإيقاع الفتنة تحقيقا لأهدافهم.
[١] تاريخ بغداد ج ١٠ ص ٧٤.
[٢] طبقات الشافعية ج ٣ ص ٢٢. و تاريخ اليعقوبي ج ٣ ص ١٩٤.
[٣] القضاة للكندي ص ٣٧١.