الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٧٠ - أحداث عصره
و قد نجحت أساليبهم التي اتبعوها، و الوسائل التي اتخذوها، لأنها كانت تحمل طابع الحرص على الإسلام، لتجتذب إلى صفوفهم أناس دفعتهم سلامة ضمائرهم إلى الدفاع عنها و كأنها دفاع عن الإسلام، و لم تقتصر فئاتهم على هذه الطائفة فقط، بل انضم في سلكهم انتهازيون وجدوا بذلك خير فرصة لتحقيق أغراضهم، و نيل مآربهم للوقيعة بخصومهم، إذ خرجت المنازعات عن حدودها، فتجنى كل فريق على الآخر، و أخذ كل أحد يرمي الآخر بالكفر.
و في وسط ذلك التيار الجارف من الخصومة و العداء، استطاعت الأغراض و الأهواء أن تنفذ إلى الأحاديث النبوية، و هي إحدى الدعائم التي يقوم عليها الدستور الإسلامي، ليتم لهم آنذاك التلاعب بمقدرات الإسلام و توجيهها صوب تحقيق أغراضهم و أهدافهم.
فلقد وضع الوضاعون أحاديث تتفق مع هذه النزعة، و نسبوها لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و هم يدعون أن ذلك نصرة للدين، و تقوية للمسلمين، فإذا ما حوججوا و أمروا بالكف عن ذلك قالوا: إنما نقول له لا عليه.
و ناهيك بما قام به الدعاة على المنابر، لتوجيه الرأي العام نحو جهة معينة، و حصر الإسلام عليها، و تخصيصها به، فلم يكن فيه نصيب لغيرهم، و لا في الجنة مكان لسواهم، و قد غرق الناس في تلك المنازعات الدينية و السياسية مدة طويلة، حتى امتدت جذور تلك الفتنة إلى عصور متأخرة عن عصر الإمام أحمد، فاشتد الموقف حراجة، و وقف كل يتربص بالآخر، مما أدى إلى نشوب حروب دموية و وقوع الخراب في كثير من البلاد الإسلامية، فأحرقت جوامع، و هدمت مساجد، و نهبت أموال، و أريقت دماء. إلى غير ذلك من الأمور التي خلفت أوضاعا سيئة، و مع كل هذا و المجال يتسع أمام المتداخلين في صفوف المسلمين للعمل على تمزيق وحدة الصف و اتساع دائرة الخلاف.
يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ اللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [١].
[١] سورة الصف آية ٨ و ٩.