الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٧٩ - الإمام الشّافعي في بغداد
نفسه بقصوره عن إدراك منزلة الطالبيين و إحجامه عن الكلام بحضورهم كما يروى:
أنّه حضر الشّافعي مجلسا فيه بعض الطالبيين فقال: لا أتكلم في مجلس أجدهم أحق بالكلام مني، و لهم الرئاسة و الفضل [١].
و قد وضع عبد اللّه بن محمّد البلوي صورة لهذه الرحلة تتضمن أشياء كثيرة لا أصل لها [٢] و هي طويلة، ذكر فيها دخول الشّافعي على الرشيد مقيدا بالحديد، و سؤال الرشيد له بمختلف العلوم و الفنون، و جواب الشّافعي له، و وعظه، و بكاء الرشيد و من حضر، إلى آخر ما فيها من الأمور المكذوبة التي لا تمت بالواقع، و قد نص ابن حجر [٣] و ابن القيم الجوزية [٤]. و غيرهما على وضعها.
و خلاصة القول: إن مجموع الروايات في محنة الشّافعي و حمله لبغداد مضطربة كل الاضطراب، و تشتمل على أشياء لا صحة لها، كما تشتمل على ما لا يصح صدوره من الشّافعي كما نقلوا عنه في جوابه للرشيد- عند الدفاع عن نفسه من تهمة المبايعة للعلويين- أنه قال للرشيد: أ أدع من يقول أني ابن عمه (يعني الرشيد) و أصير إلى من يقول أني عبده (يعني العلويين)؟ ...
إن هذا من التجنّي على الحقائق و التهجم على الواقع بأن ينسب العلويين إلى اتخاذ المسلمين عبيدا، و أنهم يسيرون تحت طغيان الأنانية التي لا توضح لهم إلّا طريق الاستبعاد للناس، و الاستعلاء عليهم و الاحتقار لهم، و حاشاهم من ذلك و هم أبعد ما يكون عن اتصافهم بما يخالفون ما طبعوا عليه، من اتباع نظم الإسلام، و إن الناس عندهم سواسية لا يتفاضلون إلّا بالأعمال الصالحة، و هم لم يكونوا كغيرهم ممن ولي أمر المسلمين الذين لا يشعرون إلّا بوجودهم الخاص، و لا يفكّرون إلّا نحو ما يعود عليهم بالنجاح، و لا يرون إلّا مصلحة أنفسهم، و لا يقيمون لمصالح الأمة وزنا.
كل هذا لم يكن له أثر عند العلويين، و حاشاهم من ارتكاب ما يخالف نظام الإسلام و أحكامه. و صدور مثل هذا القول من الشّافعي تقوّل عليه بالباطل، و لا يصح
[١] الفهرست لابن النديم ص ٢٩٥.
[٢] الحلية ج ٩ ص ٨٥- ٩١. و مناقب الفخر الرازي ص ٢٣- ٢٧.
[٣] مناقب الشافعي لابن حجر ص ٧١.
[٤] مفتاح السعادة ص ٥٦٥.