الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤١٩ - خلاصة الصراع بين دعوة الإمام الإصلاحية و دولة المنصور العباسية
و سرى هذا الاعتقاد في نفوس البسطاء منذ نشأة الدولة، يحدّثنا الطبري: أن وفدا دخل على أبي العباس السفاح يقدمهم غيلان بن عبد اللّه الخزاعي، فقال للسفاح: أشهد أنك أمير المؤمنين و أنك حبل اللّه المتين، و أنك إمام المتقين. فقال السفاح: حاجتك يا غيلان. قال: أستغفرك. قال السفاح: غفر اللّه لك.
و الواقع أن نجاح العباسيين في مهمة هذه الادعاءات كان بحاجة إلى بذل الجهد و إلى دعاية قوية، لتركيز هذه العقيدة، و وضع كثير من الأساطير حولها، و ادعاء البشارة بالدولة الجديدة التي تكفل للناس سعادتهم، و تقضي على الشقاء الذي عاناه الناس في العهد الأموي، و قد قام علماء السوء في الدولة- و هم الذين تمكن الضعف من نفوسهم و أخذ الطمع بزمام عقولهم- بنشر تلك الدعوة الكاذبة، و حياكة الأساطير و خلق الأحاديث، حتى استمر الاعتقاد يعمل عمله في نفوس كثير من الناس، فأصبح من لا يؤمن بشرعية السلطان العباسي زنديقا، و هذا ما نعبر عنه بالزندقة السياسية التي و سم بها كثير من الناس الذين استنكروا على العباسيين سوء سيرتهم، و أدركوا على مرور الأيام و تكرر الحوادث زيف ما يدّعونه من العدل الشامل و الحكم العادل، و أنهم ورثة النبي و أهل بيته، و هم أحق الناس بالأمر و أولاهم بالحكم، فكان المنكرون لتلك الأوضاع يتهمون بالزندقة، و يكون نصيبهم القتل، لأنهم عارضوا سلطان اللّه و خليفة رسوله، مع تظاهره بما يخالف ذلك، و أنهم أبعد ما يكون عن اتباع أوامر الإسلام، ففي عهد السفاح سفكت دماء بريئة، و هدمت قرى آمنة، و استبيحت حرمات و هتكت أعراض.
و كان القواد يستعملون مادة الفناء و الإبادة اتباعا لأمر الخليفة العباسي و هي: من اتهمته فاقتله [١]. و لمّا ولّي يحيى بن محمّد العباسي على الموصل من قبل أخيه السفاح، بعد أن أنكروا أعمال عامله السابق و هو محمّد بن صول، فلما دخل يحيى بلد الموصل لم يظهر لأهله شيئا ينكرونه، و لم يعترضهم فيما يفعلونه، ثم دعاهم فقتل منهم اثني عشر رجلا، فنفر أهل البلد و حملوا السّلاح فأعطاهم الأمان، و أمر فنودي من دخل الجامع فهو آمن، فأتاه الناس يهرعون إليه، فأقام يحيى الرجال على أبواب الجامع، فقتلوا الناس قتلا ذريعا أسرفوا فيه، فقيل أنه قتل عشرين ألفا ممن لهم
[١] الطبري ج ٩ ص ١٤٢ حوادث سنة ١٣٢ ه.