الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣٠١ - دعوة الإمام الصّادق للخلافة
الصّادق: «ما هو مهدي هذه الأمة و لئن شهر سيفه ليقتلن».
فقال عبد اللّه: كان هذا الكلام منك لشيء. فقال الصّادق: «قد علم اللّه أني أوجب النصح على نفسي لكل مسلم، فكيف أدخره عنك، فلا تمنّ نفسك الأباطيل، فإن هذه الدولة ستتم لهؤلاء، و قد جاءني مثل الكتاب الذي جاءك» [١].
و على ضوء ما تقدم نستطيع أن نكشف كثيرا من الحقائق الناصعة، فإن امتناع الإمام عن إجابة أبي سلمة دليل قاطع على أن خطته الحكيمة و منهجه السديد في عدم امتزاجه بذلك المعترك الذي لا يؤمل من ورائه نجاح تلك المهمة قد أصاب كبد الحقيقة بتلك النظرة الصائبة و الحدس الثاقب و علمه بما وراء الحوادث، فقد فشل أبو سلمة فشلا ذريعا في تلك المحاولة التي جاءت متأخرة عن وقتها.
و لقد ابتعد الإمام الصّادق عن ذلك المعترك، و بذل لأبناء عمّه النصح بأن لا يزجّوا أنفسهم في ذلك الصراع، و حذّرهم عاقبة الأمر التي لا تعود عليهم إلّا بالخيبة، و قد لقي منهم استنكارا، و ربما اتهموه، و لكنه يرى ما لا يرونه و يعلم ما لا يعلمون.
إذ الأمر جاء قبل أوانه، و هو (عليه السلام) يرى التريث إلى حين إعداد العدة و إحكام الأمور و حلول الوقت المناسب.
و لم يكن أبو سلمة وحده يتحول عن رأيه في الدعوة لبني العباس، فقد سبقه أبو مسلم الخراساني لذلك، فإنه تحول عن رأيه، و حاول أن يستميل الإمام الصّادق في إسناد الحكم إليه. فكتب إلى الإمام الصّادق (عليه السلام) كتابا يقول فيه:
إني قد أظهرت الكلمة، و دعوت الناس عن موالاة بني أمية إلى موالاة أهل البيت، فإن رغبت فلا مزيد عليك.
فكتب إليه الإمام (عليه السلام): «ما أنت من رجالي، و لا الزمان زماني» [٢].
و ها نحن أولاء نترك تقدير هذا الجواب إلى القارئ النبيه، ليلمس فيه الحقائق التي تدل على الروح المشبعة بالإيمان، و الشخصية المستعصمة بالفكر الثاقب، و النظر الدقيق لعواقب الأمور، و مراعاة المصلحة العامة، و السير على الخطط المحكمة و الآراء السديدة، في تقدير الظروف و مناسباتها، فلم يندفع وراء تيار الأقوال البرّاقة،
[١] مروج الذهب للمسعودي ج ٣ ص ٢٦٨ و ٢٦٩. و الآداب السلطانية ص ١٣٧.
[٢] الملل و النحل للشهرستاني ج ١ ص ٢٤١.