الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٢٧ - أخباره
١٩٥ ه في خلافة الأمين، و هناك أملى على من التف حوله كتبه التي كتبها في مذهبه في العراق- و هو المعروف بمذهبه القديم- و قد رجع عن ذلك عند ما نزل في مصر و حرم الرواية لذلك عنه، و كان نزوله في هذه القدمة على محمّد بن أبي الحسن الزيادي، و مقامه هناك سنتان.
و قد توفي محمّد بن الحسن، و قام مقامه- من أصحاب أبي حنيفة- الحسن بن زياد اللؤلؤي، ثم عاد إلى الحجاز. و في سنة ١٩٨ ه قدم العراق قدمته الثالثة، فأقام هناك أشهرا، و من العراق سافر إلى مصر فنزل في الفسطاط ضيفا كريما على عبد اللّه بن عبد الحكم.
كانت الأسباب التي حملت الشّافعي للرحيل إلى مصر كثيرة مختلفة، فبعض يقول: أنّه كان يتشوق إلى مصر دائما، و رووا له في ذلك شعرا:
أرى النفس قد أضحت تتوق إلى مصر* * * و من دونها قطع المهامة و القفر
فو اللّه ما أدري أ للفوز و الغنى* * * أ ساق إليها أم أ ساق إلى القبر
[١]؟
و هذه الأبيات تنسب إلى الحسن بن هاني و هو المعروف بأبي نواس، و أن الشّافعي تمثل بها، ذكر ذلك أبو بكر أحمد بن محمّد الهمداني المعروف بابن الفقيه في كتاب البلدان.
و قيل: إنه قدم مصر رغبة منه في معارضة انتشار أقوال أبي حنيفة و مالك، كما حدّث الربيع قال: سألني الشّافعي عن أهل مصر. فقلت: هم فرقتان فرقة مالت إلى قول مالك و ناضلت عليه، و فرقة مالت إلى قول أبي حنيفة و ناضلت عليه. فقال:
أرجو أن أقدم مصر إن شاء اللّه، فآتيهم بشيء أشغلهم به عن القولين.
فهو إذ ذاك سلك طريقا وسطا، فلم يكن على رأي مالك في الحديث و تشدده، و لا كأصحاب الرأي يتساهلون في الحديث و يكتفون بشهرته، و يقدّمون القياس على خبر الآحاد و إن صح سنده.
فانتقد مالكا لأنه ترك أحيانا حديثا صحيحا، لقول واحد من الصحابة أو التابعين، أو لرأي نفسه. و كان أشد نقد لمالك قد وجهه الشّافعي، أنّه ترك قول ابن عباس إلى قول عكرمة في مسألة، مع أن مالكا كان يسيء القول في عكرمة.
[١] معجم الأدباء ج ١٧ ص ٣١٩.