الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٧٧ - المعتصم
المعتصم يوما، فلقيه رجل شيخ فقال للمعتصم: يا أبا إسحاق. فأراد الجند ضربه، فمنعهم المعتصم و قال له: ما لك يا شيخ؟ قال: لا جزاك اللّه خيرا عن الجوار جاورتنا مدة فرأيناك شرّ جار، جئتنا بهؤلاء العلوج من غلمانك الأتراك فأسكنتهم بيننا، فأيتمت بهم صبياننا، و أرملت نساءنا، و اللّه لنقابلنّك بسهام السحر (الدعاء). هذا و المعتصم يسمع ذلك، فدخل منزله و لم ير راكبا في يوم مثل ذلك اليوم، ثم ركب و صلّى بالناس العيد، و سار إلى موضع سامراء فبناها و كان في سنة ٢٢١ ه.
و لم يكن المعتصم كأخيه المأمون. أو كولده الواثق في العطف على العلويين، و لم يكن كالرشيد في تشدده، بل كان معتدلا وسطا.
و الذي يظهر أن اعتداله كان بوصية من المأمون، فقد جاء فيها:
و هؤلاء بنو عمك من ولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه فأحسن صحبهم و تجاوز عن مسيئهم، و أقبل من محسنهم، و صلاتهم فلا تغلها في كل سنة، فإن حقوقهم تجب من وجوه شتى [١].
و حدث أحمد بن سليمان بن أبي شبح قال: قدم الزبير بن بكار العراق هاربا من العلويين لأنه كان ينال منهم فهددوه فهرب منهم، و قدم على عمه مصعب بن عبد اللّه بن الزبير، و شكى إليه حاله و خوفه من العلويين، و سأله إنهاء حاله إلى المعتصم، فلم يجد عنده (أي عند عمه) و أنكر عليه حاله و لامه.
قال أحمد: فشكى ذلك إليّ و سألني مخاطبة عمّه في أمره، فقلت له في ذلك، و أنكرت عليه إعراضه فقال لي: إن الزبير فيه جهل و تسرّع فأشر عليه أن يستعطف العلويين، و يزيل ما في نفوسهم منه، أ ما رأيت المأمون و رفقه بهم، و عفوه عنهم، و ميله إليهم؟ قلت: بلى. قال: فهذا أمير المؤمنين (أي المعتصم) مثل ذلك أو فوقه، و لا أقدر أن أذكرهم عنده بقبيح، فقل له ذلك حتى ينتهي عن الذي هو عليه في ذمهم [٢].
و لما حضرت المعتصم الوفاة جعل يردد هذه الآية: حَتَّى إِذا فَرِحُوا فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ.
[١] الطبري ج ١٠ ص ٢٩٥.
[٢] الكامل لابن الأثير ج ٧.