الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٠١ - بين قديم و جديد
و قد أفتى المتقدمون من فقهاء الشافعية بعدة مسائل في القديم، و ترجيحها على الجديد، و اختلفوا في عددها، و حاولوا حصرها في عدد قليل أو أكثر، و قد منع بعضهم الحصر. و حصرها بعضهم في اثنين و عشرين، منها:
عدم وجوب التباعد عن النجاسة في الماء الراكد الكثير، و التثويب في الأذان، و عدم انتقاض الوضوء بمس المحارم، و طهارة الماء الجاري ما لم يتغيّر، و عدم الاكتفاء في الاستنجاء بالحجر إذا انتشر البول، و تعجيل صلاة العشاء، و عدم مضي وقت المغرب بمضي خمس ركعات، و عدم قراءة السورة في الأخيرتين، و المنفرد إذا أحرم الصّلاة ثم أنشأ القدوة (أي جواز ذلك)، و كراهية تقليم أظافر الميت، و عدم اعتبار النصاب في الركاز، و شرط التحليل في الحج بعذر المرض، و تحريم جلد الميتة بعد الدباغ. و لزوم الحد بوطء المحرم بملك اليمين، و قبول شهادة فرعين على كل من الأصلين. إلى آخر ما ذكر.
و صفوة القول: إن اختلاف الشّافعية في أقوال الشّافعي المختلفة قد فتحت لهم أبواب الترجيح، و التخريج، و الموازنة بين أقواله و تطبيقها على الأحاديث، فما كان له شاهد من الحديث قدم على ما لم يكن له شاهد، و اشترطوا لذلك شروطا يأتي بيانها.
و هاتان الناحيتان (القديم و الجديد) تظهران جليا في كتاب الأم، و في اختلاف الشّافعية المتأخرين، إذ يذكرون للمسألة قولين، و يقصدون القديم و الجديد. و قد مرّ أن اتباع أئمة المذاهب يجعلون أقوالهم هي بمنزلة أقوال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و ربما ترك قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لقولهم.
و قد قيل في أسباب تحول الشّافعي عن أقواله في بغداد: أن انتقاله من بغداد إلى مصر، و تقلبه في عادات جديدة أثر ذلك في تبدّل رأيه.
و غير بعيد أن الشّافعي عند ما كان في بغداد كان يرى نفسه تلميذا لمالك بن أنس، و بعد ذهابه لمصر بقي مدة ينقل أقوال أستاذه، ثم تحوّل إلى مرحلة النضوج الاجتهادي في تعمقه و دراسته، فهجر ما قاله أولا، و انتقد أستاذه مالكا، و وضع الكتب في الرد عليه، و أعلن بحرمة العمل في قوله الأول، و منع من نقله عنه.
و لكن مدة بقائه بمصر لا تساعده على اكتساب تلك الملكة الاجتهادية، و ذلك الأفق الواسع من العلم كما ينقل عنه.