الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٩٩ - بين قديم و جديد
القديم) فمذهبه الجديد هو ما أملاه في مصر، و أخذ عنه تلامذته هناك، و القديم هو مذهبه في بغداد؛ و قد عدل عنه و نهى عن نقله، و لكن تلامذته في بغداد لم يبلغهم نهيه و عدوله، فدونوها و تناقلوها و انتشرت بينهم، و لهذا تجد الأقوال عن الشّافعي مختلفة. فيأتي في المسألة قولان أو أكثر، و قد يثبت رجوعه عن أحدها أو لا يثبت، فيبقى القولان ثابتين في المذهب منسوبين إليه، كما جاء في كتاب الأم و غيره. و قد يعتبر هذا الاختلاف دليلا على النقص في اجتهاد الشّافعي لأن عدم الجزم دليل على نقص العلم.
ذكر الفخر الرازي في المسألة الحادية عشرة: أنهم- أي العلماء القائلين بنقص اجتهاد الشّافعي- قالوا: إنه- أي الشّافعي- ما كان كاملا في الاجتهاد لأنه توقف في أكثر مسائل الفقه. و تساوت عنده الأدلة، و ذلك يدل على ضعف الرأي و قلة الفقه [١].
و اعتذر الرازي: بأن هذا يوجد عند أبي حنيفة أيضا في مسألة الماء المستعمل في الوضوء، فقد نقلوا عن أبي حنيفة ثلاث روايات:
١- رواية محمّد بن الحسن عن أبي حنيفة أنه طاهر.
٢- رواية أبي يوسف أنّه نجس نجاسة خفيفة.
٣- رواية الحسن أنّه نجس نجاسة غليظة، و لهم من هذا الباب مسائل كثيرة، فثبت أنّ هذا الإشكال مشترك من الجانبين (أي من الشافعي و أبي حنيفة في اختلاف الأقوال).
و سنوقف القارئ الكريم على كثير من ذلك. و قد جعلوا قول الشافعي الجديد ناسخا لقوله القديم، كما أنّهم قد أكثروا من الاعتذار عن وجود هذا الاختلاف الذي جعله بعض العلماء نقصا في اجتهاد الشّافعي و إدراكه.
قال أبو منصور البغدادي: و ليس الشّافعي أجلّ من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) حين سئل عن قذف الرجل امرأته، حتى نزلت آية اللعان، و قد روي: أن المؤمن و قاف و المنافق و ثاب.
و أنت ترى أن هذا النوع من الدفاع عن الشّافعي لا موجب له، و هو تعصّب محض و قياس مع الفارق، فليس من الصحيح أن تقاس حوادث الشافعي بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)
[١] مناقب الشافعي للرازي ص ٦٨.