الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٠٠ - بين قديم و جديد
الذي كان يستمد تعاليمه من السماء، و أنّه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلّا وحي يوحى. على أن الشّافعي قد أراحهم من هذا التكلف، فإنه لم يدّع العصمة و الكمال، و قد دلّت أقواله على خلاف ما يدعونه له، من صفة الإنسان الكامل الذي لا يعتريه الخطأ و النسيان، كما تقدم بيانه.
و حدث البويطي عن الشّافعي أنّه قال: صنفت هذه الكتب فلم آل فيها الصواب، فلا بد و أن يوجد فيها ما يخالف كتاب اللّه و سنّة رسوله، فما وجدتم فيه ما يخالف كتاب اللّه و سنّة رسوله فإني راجع عنه إلى كتاب اللّه و سنّة رسوله.
و قال المزني: قرأت كتاب «الرسالة» على الشّافعي ثمان مرات، فما من مرة إلّا و قد كان يقف على خطأ، فقال لي الشّافعي: أبي اللّه أن يكون كتابا صحيحا غير كتابه تعالى. فقول أبي منصور في نصرة الشّافعي خطأ محض و جرأة على مقام الرسالة، و ليس بغريب على من انغمس في بحر التعصب للمذهب بأن تصدر منه أمثال هذه المخالفات، فقد ترك قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لقول صاحب المذهب، و قد مرّ أن بعضهم يسأل عن مذهب النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) هل كان حنفيا أم شافعيا.
و لسنا الآن بصدد البحث عن هذا، و لكن الغرض أن أقوال الشّافعي قد اختلفت في كثير من المسائل، فهو قد أفتى في بغداد بمسائل، ثم أعرض عنها في مصر، فسميت تلك الأقوال بالمذهب القديم.
و إن أقواله القديمة منشورة في أبواب الفقه المختلفة، و أخذ العلماء يوازنون بينها، و اختلفت ترجيحاتهم و تصحيحاتهم فيها، بل تناولوا ما رجحه الشافعي نفسه بالدراسة و الفحص، فكانوا يرجحون القول الآخر إذا وجدوا حديثا صحيحا- سيرا على قاعدة الشّافعي التي سنّها لنفسه- إذا صح الحديث فهو مذهبي.
قال البجرمي: الفتوى على ما في الجديد دون القديم، و قد رجع الشّافعي عنه، و هذا كله قديم لم يعضده حديث، فإن اعتضد بحديث فهو مذهب الشّافعي، فقد صح عنه أنّه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي، و اضربوا بقولي عرض الحائط.
و لكن بعض الشّافعية تردد في الأخذ بالحديث إن عارض قول الشّافعي، لأنه عساه يكون منسوخا في نظره أو مؤوّلا، أو صح عند غيره بطريق أقوى من طريقه، و بعضهم إذا وجد حديثا يخالف رأيا مأثورا عن الشّافعي يأخذ بالحديث الصحيح، و يترك رأي الشافعي.