الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٥٠٣ - انتصار المحدثين
لا تنكرن تحنبلي و تسنني* * * فعليهما يوم المعاد معولي
إن كان ذنبي حب مذهب أحمد* * * فليشهد الثقلان أني حنبلي
[١] و هكذا يستمر الحنابلة في نصرة المذهب بالأقوال و الأفعال، فهم يبثون فضائل أحمد و مزاياه، و وجوب تفضيل مذهبه على غيره، بشتى الوسائل و الطرق.
و لما قويت شوكة المحدثين- و على رأسهم الحنابلة- و تعالت سلطتهم حتى كانوا حكومة داخل حكومة، أخذوا ينشرون المذهب بكل نشاط و قوة، و يوقعون الشر بمن يخالفهم بالرأي حتى ذكروا: أن محمّد بن جرير الطبري صاحب التفسير و التاريخ ألّف كتابا في اختلاف الفقهاء لم يذكر فيه أحمد بن حنبل، فسئل عن ذلك. فقال: لم يكن أحمد فقيها إنما كان محدثا، و ما رأيت له أصحابا يعول عليهم. فأساء ذلك الحنابلة، و قالوا: إنه رافضي. و سألوه عن حديث الجلوس على العرش؟ فقال: إنه محال و أنشد:
سبحان من ليس له أنيس* * * و لا له في عرشه جليس
فمنعوا الناس من الجلوس إليه، و من الدخول عليه، و رموه بمحابرهم. فلما لزم داره، رموه بالحجارة حتى تكدست، و حتى ركب صاحب الشرطة، و معه ألوف من الجند لمنع العامة عنه، و رفع الحجارة.
و هذا مما يدل على تعصب الحنابلة و شذوذهم في نشر مذهبهم، و ما أكثر الحوادث التاريخية التي دلت على أن حركتهم في غالب الأحوال حركة جماهيرية و هي لا شعورية. و كانت نشوة الانتصار على خصومهم قد جعلتهم يتشددون و يتعصبون، و قد استمسكوا بألفاظ لا يفهمون معانيها. و كان موضوع مناقشتهم مسألة خلق القرآن، فخاضوا في هذه المسألة على غير علم، و لقد كان يكفي أن يقول الرجل القرآن غير مخلوق حتى يستجاز قوله، و إن تردد و لو للتروي و التفكير نبذ و ردّ [٢].
و لقد استنكر المفكرون من الأمة تلك الحال، حتى لقد ألف ابن قتيبة- الذي كان يعيش في ذلك العصر- رسالة وصف فيها كيف كانت الاختلافات تجري بحدة و عنف، بين الذين لا يعلمون في هذه المسألة، و يتكلمون من غير بينة، و كيف كان
[١] طبقات الحنابلة ج ١ ص ٢٣٥.
[٢] ابن حنبل لمحمّد أبو زهرة ص ٣٩٤.