الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٥٠٤ - انتصار المحدثين
المحدثون و على رأسهم الحنابلة يكفرون أو يحكمون من غير بينة على كل من لم ينطق بكلمة قديم، مضافة إلى أي شيء يتصل بالقرآن.
و قال في وصف المحدثين، ثم الحنابلة:
كان آخر ما وقع من الاختلاق أمر أخص بأصحاب الحديث، الذين لم يزالوا بالسنة ظاهرين، و بالاتباع قاهرين، يداجون بكل بلد و لا يداجون، و يستتر منهم بالنحل و لا يستترون، و يصدعون بحقهم الناس و لا يستغشون لا يرتفع بالعلم إلّا من رفعوا، و لا يتضع فيه إلّا من وضعوا، و لا تسير الركبان إلّا بذكر من ذكروا، إلى أن كادهم الشيطان بمسألة لم يجعلها اللّه تعالى أصلا في الدين، و لا فرعا في جهلها سعة، و في العلم بها فضيلة، فنمى شرها، و عظم شأنها. حتى فرقت جماعتهم، و شتت كلمتهم، و وهنت أمورهم، و اشمتت حاسديهم.
و هذه المسألة التي كانت بهذه الشدة و اللجاجة في الخصومة و العداوة، فإنها كانت محنة لأحمد في حياته من الأمراء و الخلفاء، ثم كانت محنة الفكر من بعده، فالعامة لا يقبلون قولا من أحد إلّا إذا قدمه بوصف القدم لما يتصل بكتاب اللّه تعالى.
و يقول ابن قتيبة: ربما ورد الشيخ المصر فقعد للحديث، فيبدءونه قبل الكتابة بالمحنة، فالويل له إن تلعثم أو تمكث، أو سعل أو تنحنح قبل أن يعطيهم ما يريدون، فيحمله الخوف من قدحهم فيه، و إسقاطهم له، على أن يعطيهم الرضا، فيتكلم بغير علم، و يقول بغير فهم، فيتباعد من اللّه في المجلس الذي أمل أن يتقرب فيه، و إن كان ممن يعقد على مخالفتهم سام نفسه إظهار ما يحبون ليكتبوا عنه.
و إن رأوا حدثا مسترشدا، أو كهلا متعلما سألوه، فإن قال: أنا أطلب حقيقة هذا الأمر، و أسأل عنه، و لم يصح لي شيء بعد، و إنما صدقهم عن نفسه، و اعتذر بعذره و اللّه يعلم صدقه، كذبوه و آذوه، و قالوا خبيث فاهجروه [١].
و من هذا يظهر أن للعوام سلطة لا يمكن لأحد من ذوي الفهم أن يقف أمامها، و ليس للعلماء رأي في ذلك الصراع، و مما يؤيد ذلك:
إن شيخ الحنابلة أبو جعفر عبد الخالق بن عيسى، توفي و أراد العوام أن ينبشوا قبر أحمد و يدفنوه معه، و لم يستطع أحد أن يقول للعوام لا تنبشوا قبر أحمد و ادفنوه
[١] نفس المصدر.