الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٣٥ - أدوار المحنة
فقال له بعض جلسائه: و من يزيد بن هارون حتى يتقيه أمير المؤمنين؟
فقال المأمون: إني أخاف إن أظهرته يردّ عليّ، فيختلف الناس، فتكون فتنة، و أنا أكره الفتنة.
و بهذا يظهر أن الفكرة أخذت من المأمون مكانها من قديم، و لكنه كان يمانع من قبل خواصه، و هو يحذر الفرقة و يخشى الفتنة، و بعد أن وجد الطريق قد مهد لذلك أعلن رأيه، و حمل الناس بالقوة إلى تأييده و اتباع رأيه، و بدأ بذلك في سنة ٢١٨ ه.
و على أي حال: فإن المأمون قد اشتد في امتحان الناس، و لزوم إقرار الفقهاء بما يراه، فجعل يرسل لعامله الكتب، و كانت تزداد شدة و عنفا و تهديدا و توعيدا، و كان من نتائج هذا الامتحان أن أجاب جميع الفقهاء لذلك، و لم يمتنع منهم إلّا نفر قليل، منهم: أحمد بن حنبل، و محمّد بن نوح، و أحمد بن نصر الخزاعي، و أبو يعقوب البويطي، و نعيم بن حماد. و هؤلاء قد ذاقوا حتفهم لامتناعهم عن الإجابة، و بقي أحمد و لم يكن حظه كحظهم من السجن و القتل، فتركزت شخصية أحمد، فكانت أنظار المحدثين تتجه إليه، بعد أن غلبوا على أمرهم، و أصبحوا مضطهدين أمام ذلك التيار الذي يحاول القضاء على الجمود الفكري، و إعطاء العقل حرية التصرّف في نصوص الشريعة، إن لم تكن مؤيدة بالكتاب أو صحيحة السند من السنّة.
أدوار المحنة:
كانت الخطوة الأولى التي خطاها المأمون ليضمن انصياع رعيته بالنحلة التي انتحلها، و الرأي الذي ارتآه، أن دعى الفقهاء و المحدثين إلى أن يقولوا بمقالته في خلق القرآن، فيقولون إن القرآن محدث، كما يقول المعتزلة الذين اختار منهم وزراءه و صفوته، و جعلهم بمنزلة نفسه، فأرسل كتابا إلى عامله على بغداد: إسحاق بن إبراهيم، و هو ابن عم طاهر بن الحسين، و قد أمره فيه أن يشخص لديه القضاة و المحدثين، و أن يمتحنهم في موضوع خلق القرآن. كما أرسل كتبه إلى الأقطار لحمل الناس على ذلك، و إرغامهم على الأخذ بهذه الآراء، و اتباع الأمر الذي يدعو فيه إلى التفكير الحر، و استخدام العقل في فهم العقائد الدينية، كما تشير لذلك كتبه، و خاصة كتابه الأول الذي أطال فيه بذكر السبب الذي ألجأه إلى حمل الناس على القول بخلق القرآن، حيث قال فيه: