الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣٩٦ - موقف الإمام من الزنادقة و الشبه الفكرية
التاريخ الإنساني بهم، إلّا في فترات متباعدة، يضاف إلى هذا أيضا أنه ثمرة من ثمرات أهل البيت النبوي الشريف، ممن كانوا في الذروة من قادة العرب و أئمتهم.
و الحق أن إمامته العلمية لم تكن مقصورة على أتباعه كما ذكرت آنفا، فلقد رأينا في مجموعة الأخبار الواردة في الفصول السابقة أن عمرو بن عبيد، و هو من رجال السنّة، قد أتاه يسأله عن أمر دينه و يستفتيه في شئون مختلفة، من الأوامر و النواهي الواردة في القرآن و السنة، كما أثبتت الأخبار التي أصبحت لها صفة التواتر، و أن أبا حنيفة النعمان، و هو صاحب أحد مذاهب السنّة الأربعة، قد لازمه مدة سنتين من حياته الدراسية، و أن سفيان الثوري، و هو صاحب مذهب من مذاهب السنّة، قد لازمه و ناقشه و جاوره، و كان منه كما يكون التلميذ من أستاذه. و لئن كان سواه من علماء العصر العباسي الذين تميزوا بالثقافة الإنسانية الشاملة، قد برز في علم دون آخر، فإن الإمام الصّادق لم يكن في علم من هذه العلوم مقصرا به عن الآخر أبدا، لقد كانت الركائب تحمل إليه طلّاب الحكمة، و أصحاب الفقه و الفلسفة، و علم الكلام، و العلوم الطبيعية، و اللغة، و النحو، و الصرف، و البيان و الآداب في شعرها و نثرها، و التفسير و السنّة النبوية، و أيام عرب الجاهلية و الإسلام.
يضاف إلى هذا كله وقار و هيبة و استقامة، و صدق و صراحة، و حسن بيان، و تصرّف و قيادة حازمة لأتباعه، و سياسة ماهرة لأنصاره [١].
و على أي حال فإن الإمام الصّادق (عليه السلام) كان وحيد عصره في مختلف العلوم و الفنون، و ظهرت في شخصيته آثار الوراثة بأجلى صورها، و أبرز معانيها، إذ هو رضيع ثدي الإيمان، و وليد بيت الوحي و وارث علم النبي، و حافظ تراثه.
لقد كان (عليه السلام) علما من أعلام الهدى و دعاة الرشاد، يدعو للخير ليوجد قوة فعالة تتجه نحو الخير، ليحيى المسلمون حياة طيبة.
و مهما تكن العوامل التي اتخذها أعداؤه في صرف الناس عنه، فإنّها لم تؤثر الأثر الذي يطلبونه في تحويل الناس عنه، إذ العقيدة أكبر مؤثر في تكوين العقل الإنساني- رقيا و انحطاطا- فإن الناس لا يجهلون ما لأهل البيت من الأثر العظيم في المجتمع الإسلامي، و قد منحهم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) صفة لا يشاركهم فيها أحد: و هي الاقتران
[١] الإمام الصّادق لرمضان لاوند.