الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣٩٨ - موقف الإمام من الزنادقة و الشبه الفكرية
و مثله عن فضيل بن عثمان: قال: سئل أبو عبد اللّه الصّادق (عليه السلام) عما روي عن أبيه: (إذا عرفت فاعمل ما شئت) و إن بعضهم يستحل بعد ذلك كل محرم.
فقال (عليه السلام): «ما لهم لعنهم اللّه؟ إنما قال أبي إذا عرفت الحق فاعمل ما شئت من خير يقبل منك» [١].
و قد كان لإشاعة هذا الحديث من قبل أعداء أهل البيت أثر كبير في نفس الإمام الصّادق، فإن أولئك القوم الذين يريدون الوقيعة و التشويه قد تأوّلوا هذا الحديث، و قلبوا حقيقته، و أذاعوا بين العامة أن معرفة الإمام كافية عن العمل، و قالوا: إنما الدين المعرفة، فإذا عرفت الإمام فاعمل ما شئت.
و قد اهتم الإمام الصّادق (عليه السلام) لهذه الإشاعة الكاذبة، و التأويل الباطل، فأعلن البراءة ممن ذهب لذلك، و لعنهم على رءوس الأشهاد، و بسط القول في معنى هذا الحديث و مدلوله، و قال عدة مرات: «إنا للّه و إنا إليه راجعون، تأول الكفرة ما لا يعلمون، و إنما قلت: أعرف و اعمل ما شئت من الطاعة، فإنه مقبول منك، لأنه لا يقبل اللّه عملا من عامل بغير معرفة، لو أن رجلا عمل أعمال البر كلها، و صام دهره، و قام ليله، و أنفق ماله في سبيل اللّه، و عمل بجميع طاعة اللّه، و لم يعرف نبيه الذي جاء بتلك الفرائض، فيؤمن به و يصدقه، و إمام عصره الذي افترض اللّه طاعته فيطيعه، لم ينفعه اللّه بشيء من عمله، قال اللّه عزّ و جلّ في مثل هؤلاء: وَ قَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً».
و كتب إلى الآفاق بذلك كتابا قال فيه: «و إنما يقبل اللّه العمل من العباد بالفرائض التي افترضها عليهم، بعد معرفة من جاء بها من عنده، و دعاهم إليه: فأول ذلك معرفة من دعى إليه، و هو اللّه الذي لا إله إلّا هو، و توحيده، و الإقرار بربوبيته، و معرفة الرّسول الذي بلغ عنه، و قبول ما جاء به، ثم معرفة الأئمة بعد الرّسول الذين افترض طاعتهم في كل عصر و زمان على أهله، و الإيمان و التصديق بجميع الرسل و الأئمة، ثم العمل بما افترض اللّه عزّ و جلّ على العباد من الطاعات، ظاهرا و باطنا، و اجتناب ما حرّم اللّه عزّ و جلّ عليهم ظاهرا و باطنا» الخبر [٢].
[١] الوسائل ج ١ ص ١١٦، ص ١١٧.
[٢] الوسائل ج ١ ص ١٣٩.