الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣٠ - التنبيه الثاني تلامذة الإمام و مركزية الكوفة
الاتجاه، و هذا الاختلاط يوجد اضطرابا، و عدم الاستقامة في الأمور، و كان له أثر واضح في أخلاق أهل الكوفة، و قد لحظه حذيفة بن اليمان من قبل فبيّنه في خطاب له قائلا: (يا معشر أهل الكوفة، إنكم أول ما مررتم بنا كنتم خيار الناس، فغيّرتم بذلك زمان عمر و عثمان، ثم تغيرتم و فشت فيكم خلال أربع: بخل، و خبّ [١] و غدر و ضيق، لم تكن فيكم واحدة منهن، فنظرت في ذلك فإذا ذلك في مولديكم، فعلمت من أين يأتي، فإذا الخب من قبل النمط، و البخل من قبل فارس، و الغدر من قبل خراسان، و الضيق من قبل الأهواز) [٢].
و حين اتّسع نطاق الحركة العلمية كانت الكوفة مركزا هاما لمختلف العلوم، و قد ظهر علم الكلام، و كثر الجدل حول العقائد، و أهمّها البحث عن الأمانة. و قد ازداد نشاط ذوي العقائد الفاسدة، و الآراء الشاذة، فأظهروها على سبيل النقاش العلمي، فكانت تلك الآراء تأخذ مفعولها في المجتمع، و يتناقلها الناس و مصدرها الكوفة، و هي شيعية فتنسب تلك المقالة إلى الشيعة. و كانت السياسة تؤيد ذلك بغضا للشيعة و وسيلة للقضاء عليهم، و قد اتبع المؤرخون للفرق تلك الخطة، فنسبوا للشيعة فرقا كثيرة من ذوي المقالات الفاسدة بدون إنصاف أو تعقّل، و ما ساقهم إلى ذلك إلّا الجهل بعقائد الشيعة، أو البغض لهم اتباعا لأسيادهم و مجاراة للظروف.
و لا أطيل الحديث- و الحديث شجون- حول تلك الدعاية الكاذبة، في نشر الآراء الشاذة، و العقائد الفاسدة، التي يبثّها أعداء الإسلام ليتقبّلها ضعفاء النفوس، و المصابون في تفكيرهم، فينسبونها للشيعة و لا ربط لها بعقائد الشيعة، إلّا أنّ الكوفة كانت مصدرا لها و الكوفة شيعية، و قد تعمد أولئك النفر أن يعلنوا سبّ الصحابة ليكون ذلك طريقا لمؤاخذة شيعة آل محمّد، الذين تأدّبوا بآدابهم و اتّبعوا أوامرهم، كما أن موجة الغلو قد ظهرت في الكوفة دون غيرها من البلدان، و كان القصد من ذلك ما قلناه و هو أن أعداء آل محمّد أرادوا الوقيعة في أتباعهم فأشاعوا الغلو في بلد يعرف أهله بالتشيع لهم و الانتساب إليهم.
و قد عالج أهل البيت تلك المشكلة الخطيرة. و عرفوا تلك الدوافع التي دعت
[١] الخب بفتح الخاء المعجمة: الغدر و الخداع و الغش.
[٢] حركات الشيعة المتطرفين نقلا عن ابن مسكويه، تجارب الأمم ص ٤٣٥ ليدن.