الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٨ - التنبيه الأول التابعون و الإمام الصّادق
و الطرف، و اختلاج الأعضاء، إنما هو منسوب إلى جعفر بن محمّد أبي معشر الفلكي، و ليس بالصّادق، و إنما يغلطون [١].
قلت بل أكثرهم كان يتعمد ذلك، و لا شيء هناك إلّا عوامل السياسة، و لا أذهب بك بعيدا في الاستدلال على ذلك، أو أرجع بك إلى تلك العصور التي سيطرت عوامل السياسة على عقول أبنائها، فأعمتها عن الحق، و أبعدتها عن الصواب، و لكني أسلك بك أقرب الطرق في أقرب العصور- عصر النور أو القرن العشرين- هذا الدكتور أحمد أمين يقع في هذا الغلط، أو يتغافل عن الحقيقة! يقول في «فجر الإسلام»: في هذا العصر كان العلم- و لا سيما الديني- يدرس في المساجد، يجلس الأستاذ في المسجد، و حوله الآخذون عنه، على شكل حلقة، و تكبر الحلقة و تصغر تبعا لقدر الأستاذ. إلى أن يقول: و كذلك كان يفعل جعفر الصّادق في المدينة- أي أنه يجلس و يجلس الآخذون حوله حلقة- قالوا: و كان يشتغل بالكيمياء و الزجر و الفال [٢].
و لا يخفى على القارئ اللبيب سرعة انتقال الأستاذ أحمد أمين لنقل ذلك القول و إيراد ذلك الغلط، و ما يقصده في ذلك، كما لا تخفى نزعته العدائية للشيعة، فلا يروقه أن يذكر حلقة درس رئيس مذهبهم في المسجد، و إعطاء ما يلزم لها من النقل التاريخي، إن كان مؤرخا منصفا، و لكنه يثقل عليه ذلك.
و خلاصة القول: إن الإمام الصّادق لم يرو عن أحد من التابعين، و لم يحضر حلقة درس أي واحد منهم، أما في حياة أبيه، فقد كان في غنى عن ذلك، و أما من بعده فإنه أصبح المبرز في كل فن، و المرجع الأعلى في الأحكام، و كانت حلقة درسه تضم رجال العلم من رؤساء المذاهب و غيرهم، كسفيان الثوري، و شعبة بن الحجاج، و سفيان بن عيينة، و مالك بن أنس، و أبي حنيفة، و يحيى بن سعيد القطان، و أيوب السجستاني، و عبد الملك بن جريج و غيرهم. فليس من المعقول أن يكون- رئيس مدرسة تضم أمثال هؤلاء- يحضر درس من هو أقل درجة منه، بل هم أقل درجة من كثير من تلامذته. و إن أمثال هذه الأقوال إنما تقال لمجرد المبالغة في التقدير و التوثيق في حق من يريدون رفع
[١] البداية و النهاية ج ١١ ص ٥١.
[٢] فجر الإسلام ص ١٦٥.