دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٤٥٦ - باب ذكر العقبة الثانية
(١) قال قيس فقدمت مكة في رهط من مشركي قومي حجّاجا، فبينا نحن إذ جاء رجل يسأل عني فدلّ عليّ فأتاني فقال أنت قيس قلت نعم قال زوج حواء قلت نعم قال فمالك تعبث بامرأتك و تؤذيها على دينها فقلت: إني لا أفعل قال فلا تفعل ذلك بها دعها لي، قلت: نعم، فلما قدم قيس المدينة ذكر ذلك لامرأته و قال فشأنك بدينك فو اللّه ما رأيته إلا حسن الوجه حسن الهيئة.
و بهذا الإسناد عن ابن إسحاق قال: كان معاذ بن عمرو بن الجموح قد شهد العقبة، و بايع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بها، و كان عمرو سيدا من سادات بني سلمة، و كان قد اتخذ في داره صنما من خشب يقال له: منافة فلما أسلم فتيان بني سلمة معاذ بن جبل و ابنه معاذ بن عمرو و غيرهما كانوا يدخلون بالليل على صنم عمرو فيحملونه فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة، و فيها عذر الناس منكسا على رأسه، فإذا أصبح عمرو، قال: ويلكم من عدا على إلهنا في هذه الليلة، ثم يغدو يلتمسه حتى إذا وجده غسله و طهره و طيبه، ثم قال: أما و اللّه لو أعلم من يصنع هذا بك لأحرقه، فإذا أمسى و قام عمرو عدوا عليه ففعلوا به مثل ذلك، و فعل مرات، فلما ألحوا عليه استخرجه من حيث ألقوه فغسله و طهره و طيبه ثم جاء بسيفه فعلقه عليه، ثم قال: إني و اللّه ما أعلم من يصنع بك ما ترى فإن كان فيك خير فامتنع، فهذا السيف معك، فلما أمسوا و نام عدوا عليه فأخذوا السيف من عنقه، ثم أخذوا كلبا ميتا، فعلقوه، و قرنوه بحبل، ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة فيها عذر الناس، و غدا عمرو فلم يجده، فخرج يتبعه حتى وجده في البئر منكسا مقرونا بكلب ميت، فلما رآه أبصر شأنه و كلمه من أسلم من قومه، فأسلم عمرو بن الجموح، فحسن إسلامه، فقال عمرو حين أسلم، و عرف من اللّه ما عرف و هو يذكر صنمه ذلك:
. تاللّه [٣٤] لو كنت إلها لم تكن* * * أنت و كلب وسط بئر في قرن [٣٥]
[٣٤] ابن هشام: «و اللّه».
[٣٥] القرن: الحبل.