دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٣٢١ - باب قول اللّه عز و جل
(١)
[ ()] قال الخشني: و الصواب علقمة بن كلدة.
كان إذا جلس رسول اللّه مجلسا فدعا فيه إلى اللّه و تلا عليهم القرآن و حذّر قريشا ما أصاب الأمم الماضية خلفه في مجلسه إذا قام فحدّثهم عن ملوك الفرس، ثم يقول: و اللّه ما محمد بأحسن حديثا منّي، و ما أحاديثه إلا أساطير الأولين اكتتبها كما اكتتبتها فأنزل اللّه: وَ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أكاذيبهم، جمع أسطورة بالضم «اكتتبها» انتسخها من القوم بغيره «فهي تملى» تقرأ «عليه» ليحفظها «بكرة و أصيلا» غدوة و عشيا.
قال تعالى ردا عليهم: «قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ» الغيب «فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً» للمؤمنين «رَحِيماً» بهم.
قال ابن إسحاق: و جلس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يوما فيما بلغني مع الوليد بن المغيرة في المسجد فجاء النضر ابن الحارث حتى جلس معهم و في المجلس غير واحد من رجال قريش فتكلم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فعرض له النّضر فكلّمه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حتى أفحمه ثم تلا عليه و عليهم: «إِنَّكُمْ» يا أهل مكة «وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ» أي غيره من الأوثان «حَصَبُ جَهَنَّمَ» وقودها «أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ» داخلون فيها «لَوْ كانَ هؤُلاءِ» الأوثان «آلِهَةً» كما زعمتم «ما وَرَدُوها» دخلوها «وَ كُلٌّ» من العابدين و المعبودين «فِيها خالِدُونَ» لا خلاص لهم عنها «لَهُمْ» للعابدين «فِيها زَفِيرٌ» صياح «وَ هُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ».
ثم قام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أقبل عبد اللّه بن الزّبعري- بزاى فباء موحدة مكسورتين فعين مهملة ساكنة فراء فألف مقصورة- و أسلم بعد ذلك، حتى جلس إليهم فقال الوليد بن المغيرة لعبد اللّه بن الزبعري و اللّه ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفا و ما قعد و قد زعم محمد أنّا و ما نعبد من- آلهتنا هذه حصب جهنم. فقال عبد اللّه: أما و اللّه لو وجدته لخصمته فسلوا محمدا أكل ما يعبد من دون اللّه في جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة و اليهود تعبد عزيرا و النصارى تعبد عيسى بن مريم. فعجب الوليد و من كان معه في المجلس من قول عبد اللّه و رأوا أنه قد احتجّ و خاصم.
فذكر ذلك لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)
فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): كلّ من أحبّ أن يعبد من دون اللّه فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون الشياطين و من أمرتهم بعبادته.
فأنزل اللّه تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا» المنزلة «الْحُسْنى» و هي السعادة أو التوفيق للطاعة أو البشرى بالجنة و منهم من ذكر «أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ» لأنهم يرفعون إلى أعلى علّيين «لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها» صوتها: «وَ هُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ» من النعيم «خالِدُونَ» دائمون لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ» و هو أن يؤمر بالعبد إلى النار «وَ تَتَلَقَّاهُمُ» تستقبلهم «الْمَلائِكَةُ» عند خروجهم من القبور يقولون لهم «هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ» في الدنيا و منهم أبي بن خلف و عقبة بن أبي معيط.
قال ابن إسحاق: و كانا متصافيين حسنا ما بينهما.