دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٤٧٩ - باب خروج النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مع صاحبه أبي بكر الصديق- رضي اللّه عنه- إلى الغار و ما ظهر في ذلك من الآثار
(١) و كانت لأبي بكر منحة تروح عليه و على أهله بمكة، فأرسل أبو بكر عامر ابن فهيرة فروّح تلك المنحة على رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في الغار، و كان عامر بن فهيرة مولى أبي بكر أمينا مؤتمنا حسن الإسلام و استأجر رجلا من بني عبد بن عدي يقال له أريقط كان [٢٦] حليفا في قريش ثم في بني سهم ثم في آل العاص بن وائل و ذلك العدوي يومئذ مشرك و هو هاد بالطريق فخببا ظهرهما تلك الليالي اللاتي مكثا في الغار و كان يأتيهما عبد اللَّه بن أبي بكر حين يمسي بكل خبر
[ ()] و حيث قال:
أقسمت بالقمر المنشقّ أن له* * * من قلبه نسبة مبرورة القسم
و ما حوى الغار من خير و من كرم* * * و كلّ طرف من الكفّار عنه عم
فالصّدق في الغار و الصّديق لم يردا* * * و هم يقولون ما بالغار من أرم
ظنّوا الحمام و ظنّوا العنكبوت على* * * خير البريّة لم تنسج و لم تحم
وقاية اللَّه أغنت عن مضاعفة* * * من الدّروع و عن عال من الأطم
لطيفة: سئل بعضهم عن الحكمة في اختفائه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في غار ثور دون غيره فأجيب بأنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يحب الفأل الحسن، و قد قيل إن الأرض مستقرة على قرن الثّور فناسب استقراره (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في غار ثور تفاؤلا بالطمأنينة و الاستقرار فيما يقصده هو و رفيقه.
و روى ابن عديّ و ابن عساكر عن أنس أن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال لحسّان: «هل قلت في أبي بكر شيئا؟» قال: نعم. قال: «قل و أنا أسمع»، فقال.
إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة* * * فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
التالي الثاني المحمود شيمته* * * و أول الناس طرا صدق الرسلا
و الثاني اثنين في الغار المنيف و قد* * * طاف العدوّ به إذ صعّد الجبلا
و كان حبّ رسول اللَّه قد علموا* * * من البرّية لم يعدل به رجلا
[٢٦] قيل رقيط كما في الزرقاني على المواهب (ج ١ ص ٣٣٩) و هو من الديل و قيل الدئل كما في فتح الباري. و كان الأربقط على دين كفار قريش و لم يعرف له إسلام فيما بعد كما جزم به عبد الغني المقدسي و تبعه النووي و قال ابن حجر في الإصابة لم أر من ذكره في الصحابة إلا الذهبي في التجريد و قال السهيلي (ج ١ ص ٨): عبد اللَّه بن أريقط لم يكن إذ ذاك مسلما و لا وجدنا من طريق صحيح انه أسلم بعد ذلك.