دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٤٧٣ - باب خروج النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مع صاحبه أبي بكر الصديق- رضي اللّه عنه- إلى الغار و ما ظهر في ذلك من الآثار
(١) قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة أبا بكر، فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، و إما أن ترد إليّ ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب إني أخفرت في رجل عقدت له، فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك، و أرضى بجوار اللّه- عز و جل-.
و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يومئذ بمكة،
فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) للمسلمين: «قد أريت دار هجرتكم، أريت سبخة ذات نخل بين لابتين»،
و هما الحرتان، فهاجر من هاجر قبل المدينة، حين ذكر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و رجع إلى المدينة بعد من كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين، و
تجهز أبو بكر مهاجرا يعني قبل المدينة.
فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي»، فقال أبو بكر لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): هل ترجو ذلك بأبي أنت و أمي؟ قال: نعم.
فحبس أبو بكر نفسه على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ليصحبه و علف راحلتين، كانتا عنده ورق السّمر أربعة أشهر.
قال ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة رضي اللّه عنها: فبينا نحن يوما جلوس في بيتنا في نحر [٩] الظهيرة قال قائل لأبي بكر هذا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مقبلا متقنّعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، قال أبو بكر: فداء له أبي و أمي، أما و اللّه إن جاء به في هذه الساعة إلا أمر، قالت: فجاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فاستأذن فأذن له، فدخل، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لأبي بكر حين دخل: أخرج من عندك.
فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول اللّه، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):
[٩] (نحر الظهيرة): أي في أول وقت الحرارة، و هي المهاجرة، و يقال: أول الزوال، و هو أشد ما يكون من حر النهار، و الغالب في ايام الحر القيلولة فيها.