دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٤٧٢ - باب خروج النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مع صاحبه أبي بكر الصديق- رضي اللّه عنه- إلى الغار و ما ظهر في ذلك من الآثار
(١) و تصل الرّحم، و تحمل الكلّ [٤]، و تقري الضّيف، و تعين على نوائب الحق، فأنا لك جأر فارجع، فاعبد ربّك ببلدك [٥]، فارتحل ابن الدغنة مع أبي بكر رضي اللّه عنه، و طاف في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله و لا يخرج، أ تخرجون رجلا يكسب المعدوم، و يصل الرحم، و يحمل الكل، و يقري الضيف، و يعين على نوائب الحق، فأنفذت [٦] قريش جوار ابن الدغنة، و أمّنوا أبا بكر، و قالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربّه في داره، فليصلّ و ليقرأ ما شاء، و لا يؤذينا بذلك، و لا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن أبناءنا و نساءنا، فقال ابن الدغنة ذلك لأبي بكر، فلبث أبو بكر يعبد ربه في داره و لا يستعلن بالصلاة، و لا بالقراءة في غير داره.
ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره [و برز] [٧] فكان يصلي فيه، و يقرأ القرآن، فيتقذف [٨] عليه نساء المشركين و أبناؤهم، يعجبون و ينظرون إليه، و كان أبو بكر رجلا بكّاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم فقالوا له:
إنا كنا أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في داره، و إنه جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره، و أعلن الصلاة و القراءة، و إنا قد خشينا أن يفتن أبناءنا و نساءنا، فأته فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، و إن أبى إلا أن يعلن ذلك فسله أن يرد عليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك و لسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان.
[٤] تحمل الكلّ: هو ما يثقل حمله من القيام بالعيال و نحوه مما لا يقوم بأمر نفسه.
[٥] في الصحيح: «فرجع و ارتحل ..».
[٦] في الصحيح: «فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة».
[٧] ليست في الصحيح.
[٨] اي يتدافعون فيتساقطون.