دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٤٦٩ - باب مكر المشركين برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و عصمة اللّه رسوله و إخباره إياه بذلك حتى خرج مع أبي بكر الصديق- رضي اللّه عنه مهاجرا
(١) عبد اللّه بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: و حدثني الكلبي عن زاذان مولى أم هاني، عن عبد اللّه بن عباس «أن نفرا من قريش من أشراف كل قبيلة اجتمعوا، فذكر معنى هذه القصة إلى أن قال: فأتى جبريل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه و أخبره بمكر القوم، فلم يبت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في بيته تلك الليلة، و أذن اللّه عند ذلك بالخروج، و أنزل عليه بعد قدومه المدينة في الأنفال يذكر نعمته عليه و بلاءه عنده: وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [٧]. و أنزل في قوله تربصوا حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ [٨].
أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس، عن ابن إسحاق، قال: «و أقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ينتظر أمر اللّه حتى إذا اجتمعت قريش
[٧] سورة الأنفال آية ٣٠. و قال القرطبي (ج ٧ ص ٣٩٨) في تفسير قوله تعالى: «وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ»: المكر من اللّه هو جزاؤهم بالعذاب على مكرهم من حيث لا يشعرون. و قال الزمخشري (الكشاف ج ١ ص ٣٠٢): أي مكره أنفذ من مكر غيره و أبلغ تأثيرا لأنه لا ينزل إلا ما هو حق و عدل و لا يصيب إلا بما هو مستوجب. و في النهاية (ج ٤ ص ١٠٣) في حديث الدعاء، اللهم امكر لي و لا تمكر بي. مكر اللّه إيقاع بلائه بأعدائه دون أوليائه و قيل هو استدراج العبد بالطاعات فيتوهم أنها مقبولة و هي مردودة، و المعنى: ألحق مكرك بأعدائي و أصل المكر الخداع. و في التاج: قال الليث: المكر من اللّه تعالى جزاء سمى باسم مكر المجازي. و قال الراغب: مكر اللّه إمهاله العبد و تمكينه من أغراض الدنيا. و في الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري (طبعة القاهرة سنة ١٣٥٣ ه ص ٢١٥) أن الكيد و المكر متغايران و الشاهد أن الكيد يتعدى بنفسه و المكر يتعدى بحرف فيقال كاده يكيده و مكر به و لا يقال مكره، و الذي يتعدى بنفسه أقوى. و نقل الزبيدي في التاج عن البصائر أن المكر ضربان: محمود:
و هو ما يتحرى به أمر جميل و على ذلك قوله تعالى: و اللّه خير الماكرين، و مذموم: و هو ما يتحرى به فعل ذميم نحو قوله تعالى: «و لا يحيق المكر السيء إلا بأهله».
[٨] الآية (٣٠) من سورة الطور و الخبر عند ابن هشام (٢: ٩٥).