دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٣١٣ - باب دخول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مع من بقي من أصحابه شعب أبي طالب، و ما ظهر من الآيات في صحيفة المشركين التي كتبوها على بني هاشم و بني المطلب حين منعوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ممّن أراد قتله
(١) عامدين لجماعتهم، أنكروا ذلك، و ظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء فأتوا [٥] ليعطوهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فتكلم أبو طالب فقال: قد حدثت أمور بينكم لم نذكرها لكم فأتوا بصحيفتكم التي تعاهدتم عليها فلعله أن يكون بيننا و بينكم صلح، و إنما قال. ذلك خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها، فأتوا بصحيفتهم معجبين بها لا يشكون أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مدفوعا إليهم، فوضعوها بينهم و قالوا: قد آن لكم أن تقبلوا و ترجعوا إلى أمر يجمع قومكم، فإنما قطع بيننا و بينكم رجل واحد جعلتموه خطرا لهلكة قومكم و عشيرتكم و فسادهم، فقال أبو طالب: إنما أتيتكم لأعطيكم أمرا لكم فيه نصف [٦]، إن ابن أخي قد أخبرني و لم يكذبني: أن اللّه عز و جل بريء من هذه الصحيفة التي في أيديكم، و محاكل اسم هو له فيها، و ترك فيها غدركم و قطيعتكم إيانا و تظاهركم علينا بالظلم، فإن كان الحديث الذي قال ابن أخي كما قال فأفيقوا، فو اللّه لا نسلمه أبدا حتى نموت من عند آخرنا، و إن كان الذي قال باطلا دفعناه إليكم فقتلتم أو استحييتم.
قالوا: قد رضينا بالذي يقول ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق المصدوق (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قد أخبر خبرها، فلما رأتها قريش كالذي قال أبو طالب، قالوا:
و اللّه! إن كان هذا قط إلا سحر من صاحبكم، فارتكسوا و عادوا بشر ما كانوا عليه من كفرهم و الشدة على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و على المسلمين رهطه، و القيام بما تعاهدوا عليه، فقال أولئك النفر من بني عبد المطلب: إن أولى بالكذب و السحر غيرنا فكيف ترون فإنا نعلم أن الذي اجتمعتم عليه من قطيعتنا أقرب إلى الجبت و السحر من أمرنا، و لو لا أنكم اجتمعتم على السحر لم تفسد صحيفتكم
[٥] في (ص): فأتوهم»، في (ه): «و أتوهم».
[٦] (نصف): في الأصل هو المرأة بين الحدثة و المسنة، أي في أمر وسط بيننا و بينكم لا فيه حيف علينا و لا عليكم.