دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٣٠٥ - باب الهجرة الأولى الى الحبشة ثم الثانية و ما ظهر فيها من الآيات و تصديق النجاشي و من تبعه من القسس
(١) أخاه، فدخل النجاشي لعمه حتى غلب عليه فلا يدبر امره غيره و كان لبيبا فلما رأت الحبشة مكانه من عمه قالوا لقد غلب هذا الغلام أمر عمه، فما نأمن أن يملكه علينا و قد عرف أنا قد قتلنا أباه فإن فعل لم يدع منا شريفا إلا قتله، فكلّموه فيه فلنقتله، أو نخرجه من بلادنا فمشوا إلى عمه فقالوا: قد رأينا مكان هذا الفتى منك و قد عرفت أنا قد قتلنا أباه و جعلناك مكانه و إنا لا نأمن أن تملكه علينا فيقتلنا، فإما أن نقتله و إما أن تخرجه من بلادنا! قال: فقال و يحكم قتلتم أباه بالأمس و أقتله اليوم، بل أخرجه من بلادكم.
فخرجوا به فوقفوه بالسوق فباعوه من تاجر من التجار فقذفه في سفينة بستمئة درهم أو بسبعمائة درهم .. فانطلق به فلما كان العشي هاجت سحابة من سحاب الخريف فجعل عمه يتمطر تحتها فأصابته صاعقة فقتلته، ففزعوا إلى ولده فإذا هم محمقين [٥١] ليس في أحد منهم خير. فمرج [٥٢] على الحبشة أمرهم، فقال بعضهم لبعض: تعلمون و اللّه أن ملككم الذي لا يصلح أمركم غيره للّذي يعتم بالغداة فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه قبل أن يذهب.
فخرجوا في طلبه حتى أدركوه فردوه فعقدوا عليه تاجه و أجلسوه على سريره و ملكوه، فقال التاجر: ردوا عليّ مالي كما أخذتم مني غلامي، فقالوا لا نعطيك فقال إذا [و اللّه] [٥٣] أكلمه فقالوا و إن. فمشى إليه فكلمه فقال أيها الملك إني ابتعت غلاما فقبضوا مني الذي باعونيه ثمنه ثم عدموا على غلامي فنزعوه من يدي و لم يردوا عليّ مالي فكان أول ما خبر من صلابة حكمه و عدله أن قال لتردّنّ عليه ما له أو ليجعلنّ غلامه يده في يده فليذهبن به حيث شاء فقالوا بل نعطيه ماله
[٥١] «محمق»: الذي يلد الحمقى.
[٥٢] (مرج): قلق و اضطرب.
[٥٣] من (ح).