دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٢٩٣ - باب الهجرة الأولى الى الحبشة ثم الثانية و ما ظهر فيها من الآيات و تصديق النجاشي و من تبعه من القسس
(١) لقيت غنيا. فقال عثمان: بل كنت إلى الذي لقيت منكم فقيرا، و عيني التي لم تلطم إلى مثل ما لقيت صاحبتها فقيرة، و لي فيمن هو أحب إليّ منكم أسوة [١٨]، فقال الوليد بن المغيرة: إن شئت أجرتك الثانية، فقال عثمان بن مظعون: لا أرب لي في جوارك [١٩].
و خرج جعفر بن أبي طالب رضي اللّه عنه في رهط من المسلمين عند ذلك فرارا [٢٠] بدينهم أن يفتنوا عنه إلى أرض الحبشة، و بعثت قريش عمرو بن العاص، و عمارة بن الوليد بن المغيرة، و أمروهما أن يسرعا السير، ففعلا و أهدوا للنجاشي فرسا، و جبّة ديباج، و أهدوا لعظماء الحبشة هدايا، فلما قدما على النجاشي قبل هداياهم، و أجلس عمرو بن العاص على سريره، فقال عمرو: إن بأرضك رجالا منا سفهاء ليسوا على دينكم و لا على ديننا، فادفعهم إلينا، فقالت عظماء الحبشة للنجاشي: أجل فادفعهم إليهم، فقال النجاشي:
لا و اللّه، لا أدفعهم إليهم حتى أكلمهم و أعلم على أي شيء هم. فقال عمرو ابن العاص: هم أصحاب الرجل الذي خرج فينا و سنخبرك بما نعرف من سفههم و خلافهم الحقّ أنهم لا يشهدون أن عيسى ابن اللّه، و لا يسجدون لك إذا دخلوا عليك كما يفعل من أتاك في سلطانك.
فأرسل النجاشيّ إلى جعفر و أصحابه، و أجلس النجاشي عمرو بن العاص على سريره فلم يسجد له جعفر و لا أصحابه، و حيوه بالسلام، فقال عمرو و عمارة: ألم نخبرك خبر القوم و الذي يراد بك؟ فقال النجاشيّ: ألا تحدثوني أيها الرهط! ما لكم لا تحيوني كما يحييني من أتاني من قومكم و أهل بلادكم
[١٨] في السيرة لابن هشام بعده: «و إني لفي جوار من هو أعز منك و أقدر يا أبا عبد شمس».
[١٩] الخبر في سيرة ابن هشام (١: ٣٩١- ٣٩٢).
[٢٠] في (ص): «فارّين».