دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٢١١ - باب ذكر إسلام أبي ذرّ الغفاريّ رضي اللّه عنه و ما في قصّته من تنزيه
(١) لو كان ها هنا أحد من أنفارنا.
قال فاستقبلهما رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أبو بكر و هما هابطان من الجبل، فقالا لهما: ما لكما؟ قالتا: الصابئ بين الكعبة و أستارها، قال: ما قال لكما؟ قالتا: قال لنا كلمة تملأ الفم [٢١].
فجاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) هو و صاحبه فاستلم الحجر، ثم طاف بالبيت هو و صاحبه، ثم صلى، فلما قضى صلاته، قال أبو ذر: فأتيته فكنت أول من حياه بتحية الإسلام، فقال و عليك و رحمة اللّه.
ثم قال: ممن أنت؟ قلت: من غفار، قال: فأهوى بيده فوضع يده على جبينه فقلت في نفسي [كره] أن انتميت إلى غفار، قال: فأهويت لآخذ بيده فقدعنى [٢٢] صاحبه و كان اعلم به مني ثم رفع رأسه فقال متى كنت هاهنا؟
قلت قد كنت هاهنا منذ ثلاثين ليلة و يوم قال: فمن كان يطعمك؟ قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، و ما وجدت على كبدي سخفة جوع، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إنها مباركة إنها طعام طعم و شفاء سقم.
فقال أبو بكر: يا رسول اللّه! ائذن لي في إطعامه الليلة، ففعل فانطلق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أبو بكر و انطلقت معهما حتى فتح أبو بكر بابا، فجعل يقبض لنا من زبيب الطّائف فكان ذاك أوّل طعام أكلته بها، قال: فغبرت ما غبرت [٢٣] ثم أتيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إني قد وجهت إلى أرض ذات نخل [٢٤] لا أحسبها إلا يثرب، فهل أنت مبلغ عني قومك لعل اللّه أن ينفعهم
[٢١] تملأ الضم أي عظيمة لا شيء أقبح منها.
[٢٢] (قد عني) كفّني.
[٢٣] (غبرت ما غبرت): أي بقيت ما بقيت.
[٢٤] (وجّهت لي أرض) أي: أريت جهتها.