دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٢١٠ - باب ذكر إسلام أبي ذرّ الغفاريّ رضي اللّه عنه و ما في قصّته من تنزيه
(١) فتضعفت [١١] رجلا منهم فقلت: أين هذا الذي تدعونه [١٢]: الصابئ قال:
فأشار إلى الصابي [١٣]. قال فمال عليّ أهل الوادي بكل مدرة و عظم، حتى خررت مغشّيا عليّ، قال: فارتفعت حين ارتفعت، كأني نصب أحمر، فأتيت زمزم فشربت من مائها، و غسلت عني الدّم، فدخلت بين الكعبة و أستارها، و لقد لبثت يا ابن أخي ثلاثين من بين يوم و ليلة، و مالي طعام إلّا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسّرت عكن بطني [١٤] و ما وجدت على كبدي سخفة جوع [١٥] قال فبينما أهل مكة في ليلة قمراء [١٦] إضحيان [١٧] قد ضرب اللّه تعالى على أصمخة [١٨] أهل مكة، فما يطوف بالبيت أحد غير امرأتين فأتتا عليّ و هما يدعوان إسافا و نائلة، قال: فأتتا عليّ في طوافهما فقلت: أنكحا أحدهما الأخرى، قال فما تناهيتا عن قولهما، و قال غيره فما ثناهما ذلك عمّا قالا قال: فأتيا عليّ فقلت: هن مثل الخشبة [١٩] غير أنّي لا أكني، فانطلقتا تولولان [٢٠] و تقولان:
[١١] يعني: نظرت إلى أضعفهم فسألته، لأن الضعيف مأمون الفائلة.
[١٢] في (ح): «يدعونه».
[١٣] (الصابئ): منصوب على الإغراء، أي: انظروا و خذوا هذا الصابئ.
[١٤] (عكن بطني) جمع عكنة، و هو الطيّ في البطن من السمن، معنى تكسرت: أي انثنت و انطوت طاقات لحم بطنه.
[١٥] سخفة: بفتح السين و ضمها: هي رقة الجوع و ضعفه و هزاله.
[١٦] (قمراء) مقمرة.
[١٧] (أضحيان): أي مضيئة، منوّرة.
[١٨] أصمخة، و يقال: أسمخة: المراد هنا: الآذان، أي ناموا. قال تعالى: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ أي: أنمناهم.
[١٩] (هن مثل الخشبة) الهن، و الهنة بتخفيف نونهما، هو كناية عن كل شيء، و أكثر ما يستعمل كناية عن الفرج و الذكر، فقال لهما: أو مثل الخشبة في الفرج، و أراد بذلك: سب إساف و نائلة و غيظ الكفار بذلك.
[٢٠] (الولولة) الدعاء بالويل.