دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ١٠٩ - ذكر حديث قسّ بن ساعدة الإيادي
(١) معشر إياد، أين الآباء و الأجداد؟ و أين المريض و العوّاد؟ و أين الفراعنة الشّداد؟
أين من بنى و شيّد؟! و زخرف و نجّد؟! و غرّه المال و الولد؟! أين من بغى و طغى، و جمع فأوعى، و قال: أنا ربكم الأعلى؟! ألم يكونوا أكثر منكم أموالا، و أبعد منكم آمالا، و أطول منكم آجالا؟! طحنهم الثّرى بكلكله، و مزّقهم بتطاوله، فتلك عظامهم بالية، و بيوتهم خالية، عمرتها الذئاب العاوية [٢٩]، كلّا، بل هو اللّه الواحد المعبود، ليس بوالد و لا مولود!! ثم أنشأ يقول:
في الذاهبين الأولين* * * من القرون لنا بصائر
لما رأيت مواردا للمو* * * ت ليس لها مصادر
و رأيت قومي نحوها* * * يمضي الأصاغر و الأكابر
لا يرجع الماضي إليّ* * * و لا من الباقين غابر
أيقنت أني لا محا* * * لة حيث صار القوم صائر
قال: ثم جلس. فقام [٣٠] رجل من الأنصار بعده كأنه قطعة جبل، ذو هامة عظيمة، و قامة جسيمة، قد دوّم عمامته، و أرخى ذؤابته، منيف أنوف أحدق [٣١] أجشّ الصّوت، فقال:
يا سيد المرسلين، و صفوة رب العالمين، لقد رأيت من قس عجبا، و شهدت منه مرغبا. فقال: و ما الذي رأيته منه و حفظته عنه؟ فقال: خرجت في الجاهلية أطلب بعيرا لي شرد مني كنت أقفو أثره [٣٢] و أطلب خبره، في نتائف حقائف [٣٣]، ذات دعادع و زعازع، ليس بها للركب مقيل، و لا لغير الجن [٣٤]
[٢٩] في (م): «العادية».
[٣٠] في (م): «و قام».
[٣١] في (م) و (ه): «أشدق».
[٣٢] ليست في (م).
[٣٣] في (م): «تنايف حقايف».
[٣٤] في (ح) و (م): «الحق».